الحديث رقم 258

كتاب القضاء · المدة 9:13 · المقطع 15 من 15

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

باب تحريم الشفاعة في الحدود. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان بالعشي قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولمسلم قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة فكلموه، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ثم ذكر الحديث بنحوه. قال ابن حجر: ذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع في جحد العارية، وأجابوا عن الحديث بأن رواية من روى سرقت أرجح، وهي متفق عليها، ونقل النووي أن رواية معمر شاذة. مخالفة لجماهير الرواة، وقال: والشاذة لا يُعمل بها، وتابعه المحب الطبري، وبعضهم جمع بين الروايتين بضرب من التأويل. وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله عز وجل، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال. ردغة الخبال: عصارة أهل النار، والردغة: الماء والطين. وأخرج أبو داود والنسائي والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب. قوله: تعافوا الحدود أمر بالعفو، أي أسقطوا الحدود فيما بينكم ولا ترفعوها إلي، فإنه متى علمتها أقمتها. قال النووي: أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد إذا بلغ الإمام لهذه الأحاديث، وعلى أنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس. فَإِنْ كَانَ لَمْ يُشْفَعْ فِيهِ، وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَوَاجِبُهَا التَّعْزِيرُ، فَتَجُوزُ الشَّفَاعَةُ وَالتَّشْفِيعُ فِيهَا، سَوَاءٌ بَلَغَتِ الْإِمَامَ أَمْ لَا، ثُمَّ الشَّفَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْفُوعُ فِيهِ صَاحِبَ أَذًى. بَابُ التَّعْزِيرِ. أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ هَانِئِ بْنِ نِيَارٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَمَّنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا عُقُوبَةَ فَوْقَ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ: هُوَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ فَسَمَّاهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَاوَزُوا عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّعْزِيرِ: هَلْ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ فَمَا دُونَهَا، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ، أَمْ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَشْهَبُ الْمَالِكِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ. وقال ابن القيم: الصواب في الجواب أن المراد بالحدود هنا الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه، وهي المراد بقوله: ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون، فلا يزاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلق بمعصية، كتأديب الأب ولده الصغير. باب الحدود كفارات للذنوب. أخرج البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس، فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له وطهور، وفي رواية: فهو كفارته، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. قال فبايعناه على ذلك. وفي رواية: فتلا علينا آية النساء: ألا يشركن بالله شيئًا ولا يزنين الآية. وفي أخرى قال: إني لمن النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا، وذكر نحوه، وزاد: ولا ننتهب ولا نعصي. بالجنة إن فعل ذلك، فإن غشينا من ذلك شيئًا كان قضاء ذلك إلى الله عز وجل. ولمسلم قال: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء: ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضنا بعضًا. سيأتي الحديث إن شاء الله في باب البيعة، والبيعة المذكورة هنا غير بيعة العقبة، فالتي وقعت ليلة العقبة كانت على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره إلى آخره، والمذكورة هنا كانت بعد الفتح؛ لأن الآية التي ذكرها عبادة هنا نزلت في فتح مكة، فهما بيعتان، قاله ابن حجر. وقوله: لا يعضه بعضنا بعضًا، أي لا يبهته ولا يفتري عليه، وهو كقوله في الرواية الأولى: ولا تأتوا ببهتان تفترونه. قال النووي: في هذا الحديث تحريم هذه المذكورات وما في معناها، والدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها، بل هو بمشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، سبحانه وتعالى، خلافًا للخوارج والمعتزلة، فإن الخوارج يكفرون بالمعاصي، والمعتزلة يقولون لا يكفر ولكن يخلد في النار. واستعرض الحافظ ابن حجر الأقوال في معنى كون الحد كفارة، وذكر أنه يبقى للمقتول حق التشفي من قاتله. ولأهل المزني بها حق بسبب ما دخل عليهم من العار، ثم قال: ومحصل ذلك أن الكفارة تختص بحق الله تعالى دون حق الآدمي في جميع ذلك.