الحديث رقم 326

كتاب الذكر والدعاء · المدة 9:51 · المقطع 8 من 14

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الاستغفار والتوبة وسعة رحمة الله، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن الحارث بن سويد قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين، أحدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر عن نفسه. قال ابن مسعود: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا، أي بيده، فذبه عنه. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه. فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده. أخرجه البخاري، وأخرج مسلم منه المسند فقط. الدوية بفتح الدال وكسر الواو وفتح الياء، وكل الثلاثة مشددة، هي الفلاة والمفازة، والمهلكة بفتح الميم واللام هي التي يهلك من كان بها. وهذه رواية الأكثر، ورويت بضم الميم وكسر اللام: مهلكة. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة. ولمسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح. وأخرج مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تقولون بفرح رجل انفلتت منه راحلته تجر زمامها بأرض قفر، ليس بها طعام ولا شراب، وعليها له طعام وشراب، فطلبها حتى شق عليه، ثم مرت بجذل شجرة فتعلق زمامها فوجدها معلقة به. قلنا: شديدًا يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لله أشد فرحًا بتوبة عبده من الرجل براحلته. قوله: جذل شجرة بكسر الجيم وفتحها، وسكون الذال المعجمة، هو أصل الشجرة القائم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال. كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهبٍ فأتاه، فقال: إنه قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله فكمَّل به مئة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجلٍ عالم، فقال: إنه قتل مئة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء. فانطلق، حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية: فلما كان في بعض الطريق أدركه الموت، فنأى بصدره نحوها ثم مات. وفيه: فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر، فجعل من أهلها. وفي أخرى: فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقربي. وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر. فغفر له. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا. فلما مات فُعِل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك يا رب، فغفر له. هذه رواية البخاري. ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه، ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين. فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لِمَ فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب، وأنت أعلم، فغفر الله له. وللبخاري عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن رجلًا كان قبلكم رغسه الله مالًا، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف. ففعلوا، فجمعه الله، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: مخافتك، فتلقاه برحمته. ولمسلم عن أبي سعيد نحوه، وقال في آخره: فمات تلافاه غيرها. ولهما عن حذيفة بنحوه. قوله: رغسه، أي كثر ماله وبارك له، وهذه رواية البخاري. ووقع عند مسلم: راشه، والريش والرياش هو المال. وقوله: تلافاه، أي تداركه. قال النووي: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله، فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر، وقد قال في آخر الحديث: إنما فعل هذا من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله تعالى ولا يظهر له. قال هؤلاء: فيكون له تأويلان، أحدهما أن معناه: لئن قدر علي العذاب، أي قضاه، يقال منه قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد بمعنى واحد. والثاني أن قدر هنا بمعنى ضيق علي، قال الله تعالى: فقدر عليه رزقه. وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره، ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها، بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الفزع، فصار في معنى الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: أنت عبدي وأنا ربك، فلم يكفر بذلك. وقالت طائفة... هذا الرجل جهل صفة من صفات الله تعالى، وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة، فقيل لا يكفر بجهل الصفة، بخلاف جحدها، ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلاً. وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد، ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح، لقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً. وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر، بخلاف شرعنا، وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به، وغير ذلك من الأدلة، والله أعلم.