الحديث رقم 327
نص الحلقة
في باب الاستغفار والتوبة وسعة رحمة الله، أخرج البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة. وأخرج مسلم عن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مئة مرة. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة. قوله: يغان أي يغطى، والغين والغيم واحد. والمراد هنا ما يتغشى القلب، قال ابن الأثير رحمه الله: والمراد به السهو؛ لأنه كان صلى الله عليه وسلم لا يزال في مزيد من الذكر والقربة ودوام المراقبة، فإذا سها عن شيء منها في بعض الأوقات أو نسي عده ذنبًا على نفسه ففزع إلى الاستغفار. وأخرج البخاري عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة. قوله: أبوء لك، أي أعترف لك. قال الطيبي: اعترف أولًا بأنه أنعم عليه ولم يقيده؛ لأنه يشمل أنواع الإنعام، ثم اعترف بالتقصير في شكرها، ثم بالغ فعده ذنبًا. قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون معناه أعترف بوقوع الذنب مطلقًا ليصح الاستغفار منه؛ لأنه عد تقصيره في الشكر ذنبًا. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه تبارك وتعالى قال: أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك. قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو في الرابعة: اعمل ما شئت. وفي رواية بمعناه، وذكر ثلاث مرات. وقال في الثالثة: قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء. قوله: يأخذ بالذنب، أي يعاقب عليه. قال القرطبي في المفهم: يدل هذا الحديث على عظيم فائدة الاستغفار، وعظيم فضل الله ورحمته. لكن هذا الاستغفار هو الذي ثبت معناه في القلب، مقارنًا لللسان، لينحل به عقد الإصرار، ويحصل معه الندم، فهو ترجمة للتوبة، لا من قال أستغفر الله بلسانه وقلبه مصر على تلك المعصية، فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى استغفار. وأخرج مسلم عن أبي أيوب رضي الله عنه أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون يغفر لهم. وفي رواية: لو أنكم لم تكونوا لكم ذنوب يغفرها الله لكم، لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم. إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به صدورها أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم. قوله صدورها وأنفسها ضبطتا بالرفع والفتح. قال ابن حجر: قوله ما لم تعمل أو تكلم، المراد نفي الحرج عما يقع في النفس حتى يقع العمل بالجوارح أو القول باللسان، على وفق ذلك. والمراد بالوسوسة تردد الشيء في النفس من غير أن يطمئن إليه ويستقر عنده. وأخرجه البخاري أيضًا في باب الطلاق، وقال قبله: قال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس. ثم ذكر الحديث، وزاد بعده: قال قتادة: إذا طلق في نفسه فليس بشيء. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، وفي رواية: إما قبلة أو مسًّا بيد أو شيئًا، كأنه يسأل عن كفارتها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فنزلت: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين. فقال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: لمن عمل بها من أمتي. ولمسلم قال: أصاب رجل من امرأة شيئًا دون الفاحشة، فأتى عمر بن الخطاب فعظم عليه، ثم أتى أبا بكر فعظم عليه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم. فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ. وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا. فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ، فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا دَعَاهُ، وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللهِ، هَذَا لَهُ خَاصَّةٌ؟ قَالَ: بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً. وَفِي أُخْرَى فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا لِهَذَا خَاصَّةً أَوْ لَنَا عَامَّةً؟ قَالَ: بَلْ لَكُمْ عَامَّةً. قَوْلُهُ زُلَفًا جَمْعُ زُلْفَةٍ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ مِنَ اللَّيْلِ. وَقَوْلُهُ دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، الْمَسُّ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَالْبَغَوِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى جَمَعُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ. وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ.