الحديث رقم 331
نص الحلقة
باب إجابة الدعاء. أخرج الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي. ولمسلم قال: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل. قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء. قوله: يستحسر أي ينقطع. قال ابن حجر: وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أنه يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة، لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأنا أشد خشية أن أُحرم الدعاء من أن أُحرم الإجابة. وقال: قد دعوت فلم يستجب لي، أن يُحرم الإجابة، وما قام مقامها من الادخار والتكفير. وقال ابن الجوزي: اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد، غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة، أو يعوض بما هو أولى له عاجلاً أو آجلاً، فينبغي للمؤمن ألا يترك الطلب من ربه، فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم. وقال يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ قال القاضي عياض رحمه الله: الطيب في صفة الله تعالى بمعنى المنزه عن النقائص، وهو بمعنى القدوس. وقوله غذي بالحرام هو كذا بضم الغين وتخفيف الذال المكسورة. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب والبغوي رحمهم الله جميعًا بسند صحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدعاء هو العبادة. ثم قرأ: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا يستحيي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين. وفي رواية إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً ليس فيهما شيء. وأخرج مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل. وفي رواية عن صفوان بن عبد الله، وكانت تحته الدرداء، قال: قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم. قالت: فادع لنا بخير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل. قال: فخرجت إلى السوق فلقيت أبا الدرداء، فقال لي مثل ذلك يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية عن أم الدرداء قالت: حدثني سيدي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وذكر الحديث. قال النووي: قولها سيدي تعني زوجها أبا الدرداء، ففيه جواز تسمية المرأة زوجها سيدها وتوقيره، وأم الدرداء هذه هي الصغرى التابعية. وقال الحصكفي الحنفي في الدر المختار: ويكره أن يدعو الرجل أباه، وأن تدعو المرأة زوجها باسمه. وأخرج الدارمي وأبو داود وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن. بسند حسن عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثنتان لا تردان، أو قل ما تردان، عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا. النداء: الأذان بالصلاة، وقوله يلحم بعضهم بعضا يقال: ألحم الرجل إلحاما، أي نشب في القتال، ولحمت الرجل أي قتلته، ومنه سميت الحروب ملاحم. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والضياء رحمهم الله بسند حسن عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة فادعوا. وأخرج أحمد والترمذي والبزار وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الشعب بسند حسن عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوة ذي النون إذ دعا في بطن الحوت قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما دعا بها أحد قط إلا استجيب له. وأخرج أحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب والبغوي رحمهم الله بسند حسن عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله. لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وفي رواية: إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. العرب تسمي أشرافها الصمد، وقال أبو عبيدة: الصمد السيد الذي يصمد إليه، ليس فوقه أحد. وقال القرطبي في المفهم: الصمد يتضمن جميع أوصاف الكمال، لأن معناه الذي انتهى سؤدده بحيث يصمد إليه في الحوائج كلها، وهو لا يتم حقيقة إلا لله.