الحديث رقم 333
نص الحلقة
في باب الطب أخرج مسلم عن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له: ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا في مسير لنا فنزلنا منزلًا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، أي لديغ، وإن نفرنا غيب، أي غائبون، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية، أي لا نتهمه بها، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب. قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي أو نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم. وفي رواية قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلُدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا بكم لعلهم عندهم بعض شيء. فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا. فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: الحمد لله رب العالمين. وفي رواية: فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فكأنما أُنشط من عقال. فانطلق يمشي وما به قلبة، أي مرض. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. وقال بعضهم: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فننظر الذي يأمرنا به. فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا. وضحك النبي صلى الله عليه وسلم. السليم: اللديغ، سمي به تفاؤلًا له بالسلامة. وقوله: نفرنا غيب، أي رجالنا غائبون. والغيب بالتحريك جمع غائب، كخدم وخادم. وروي غُيَّب بضم أوله وتشديد الياء. وقوله: نأبنه، أي نتهمه، والمأبون المتهم. والجعل هو الأجرة. وقوله: أُنشط من عقال، العقال هو الحبل الذي تُشد به ركبة البعير لئلا يسرح، والأنشوطة العقدة. ويقال: نشط العقال، أي شددته. وأنشطته أي حللته، وقد جاء في بعض الروايات كأنما نشط من عقال. قال النووي: فيه التصريح بأنها رقية، فيستحب أن يقرأ بها على سائر الأسقام. وفيه التصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر، وأنها حلال لا كراهة فيها. وكذا الأجر على تعليم القرآن، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وآخرين من السلف ومن بعدهم. ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن، وأجازها في الرقية. وقوله: واضربوا لي بسهم، هذه القسمة من باب المروءات ومواساة الأصحاب، وإلا فجميع الشياه ملك للراقي لا حق للباقين فيها، فقاسمهم تبرعًا ومروءة. وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تطييبًا لقلوبهم، ومبالغة في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه، وقد فعل مثله في حديث العَمْرِ، وفي حديث أبي قتادة في حمار الوحش. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله. وفي رواية: حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه، ثم قال: أشعرتِ يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي. ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق، وكان منافقًا. قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة. وفي رواية: في مشط ومشاطة، وجف طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشة فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين. قلت: يا رسول الله، أفأخرجته؟ وفي رواية: أفلا أحرقته؟ قال: لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيت أن أثور على الناس منه شرًّا، وأمر بها فدفنت. قوله: دعا الله ودعاه، قال النووي: هذا دليل على استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهة، وحسن الالتجاء إلى الله تعالى. وقال ابن حجر عند حديث المرأة التي تصرع وسيأتي في باب ترك التداوي، قال فيه: إن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، ولكن إنما ينجع بصدق قصد الداعي، وقوة توجهه، وقوة قلبه، بالتقوى والتوكل. قوله: مطبوب، أي مسحور، يقال: تفاؤلًا، كما يقال للديغ سليم، وللمهلكة مفازة. والجف. غشاء الطلع الذي يكنه، والذكر فحال النخل، والمشاطة: الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط، والمشاطة بالقاف هي المشاطة بالطاء، وهي أيضًا ما ينقطع من الإبريسم والكتان عند تخليصه وتسريحه. قال النووي: وفي كتاب مسلم في بئر ذي أروان، وكذا وقع في بعض روايات البخاري، وفي معظمها ذروان، وكلاهما صحيح مشهور، والأول أصح وأجود، وهي بئر في المدينة. وقوله: خشيت أن أثور على الناس شرًّا فيه ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها، وهو من أهم قواعد الإسلام. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال بإصبعه هكذا، ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها، وقال: بسم الله، تربة أرضنا بريقة بعضنا، يُشفى به سقيمنا بإذن ربنا. وفي رواية: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الرقية: تربة أرضنا وريقة بعضنا، يُشفى سقيمنا بإذن ربنا. قال النووي: قال جمهور العلماء: المراد بأرضنا هنا جملة الأرض، وقيل أرض المدينة خاصة لبركتها، والريقة أقل من الريق، ومعنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء، فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام بحال المسح.