الحديث رقم 339
نص الحلقة
في باب العدوى، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا عدوى ولا صفر ولا هامة. فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: فمن أعدى الأول؟ وفي رواية عن أبي سلمة أنه سمع أبا هريرة بعد يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يوردن ممرض على مصح. وأنكر أبو هريرة حديث الأول. قلنا: ألم تحدث أنه لا عدوى؟ فرطن بالحبشية. قال أبو سلمة: فما رأيته نسي حديثًا غيره. وفي أخرى قال: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا نوء ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد. قوله: ممرض، الممرض هو صاحب الإبل المريضة، والمصح صاحب الإبل الصحاح. وقوله: لا هامة، بتخفيف الميم على المشهور الذي لم يذكر الجمهور غيره، وقيل بتشديدها، فيه تأويلان: أحدهما أن العرب كانت تتشاءم بالهامة، وهي الطائر المعروف من طير الليل، وقيل هي البومة، كانوا إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له نفسه أو بعض أهله، وهذا تفسير مالك بن أنس. والثاني أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت، وقيل روحه، تنقلب هامة تطير، وهذا تفسير أكثر العلماء. ويجوز أن يكون المراد النوعين، فإنهما جميعًا باطلان. قوله: ولا نوء، أي لا تقول مطرنا بنوء كذا، ولا تعتقده. انتهى ملخصًا من شرح النووي. وأخرج مسلم عن الشريد بن سويد الثقفي قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم: إنا قد بايعناك فارجع. يقال: رجل أجذم ومجذوم إذا تهافتت أطرافه من الجذام، وهو الداء المعروف، يصيب البدن حتى يتآكل، سمي بذلك لتجذم الأصابع وتقطعها. وأخرج البخاري عن عمر بن دينار قال: كان هاهنا رجل اسمه نواس، وكان عنده إبل هيم، فذهب ابن عمر فاشترى تلك الإبل من شريك له، فجاء إليه شريكه فقال: بعنا تلك الإبل. قال: ممن بعتها؟ قال: من شيخ كذا وكذا. قال: ويحك، ذاك والله ابن عمر. فجاءه فقال: إن شريكي باعك إبلًا هيمًا ولم يعرفك. قال: فاستقها. فلما ذهب ليستاقها قال: دعها، رضينا بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا عدوى. الهيام نحو الدوار، يأخذ الإبل في رؤوسها فتهيم في الأرض لا ترعى حتى تهلك. وإبل هيم جمع أهيم وهيماء، والهيام بالضم أشد العطش، والهيم العطاش أيضًا. وأخرج البخاري ومسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟ فقال أسامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطاعون رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه. وفي رواية أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدًا رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع، فقال: رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم، ثم بقي منه بقية، فيذهب المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه، ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارًا منه. ولمسلم عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أسامة. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. قال ابن عباس، فقال عمر: ادعُ لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادعُ لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادعوا لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. وكان عمر يكره خلافه. نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه. فحمد الله عمر بن الخطاب ثم انصرف. ولمسلم قال: وقال له أيضًا: أرأيت أنه لو رعى الجدبة وترك الخصبة أكنت معجزة؟ قال: نعم. قال: فسر إذن. فسار حتى أتى المدينة، فقال: هذا المحل، أو قال: هذا المنزل إن شاء الله. وله في أخرى عن سالم أن عمر إنما انصرف بالناس عن حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما أجمعين. سرغ بفتح فسكون وبالغين المعجمة. موضع قرب تبوك، وقيل قرية بوادي تبوك، كان من منازل حاج الشام، وهو أول الحجاز وآخر الشام. والعدوة بضم العين وكسرها جانب الوادي. وقوله كنت معجزة أي تنسبه إلى العجز، وتقول إن ذلك منه عجز. والمحل بفتح الحاء وكسرها، والفتح أقيس.