الحديث رقم 337
نص الحلقة
في كتاب الطب أخرج مسلم عن أنس قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والحمة والنملة. النملة قروح تخرج في الجنبين، وقد تخرج في غير الجنب. وفي هذه الأحاديث استحباب الرقى لهذه العاهات والأدواء، والتخصيص ما ذُكر منها لا يمنع جواز الرقية في غيرها من الأمراض؛ لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى بعض أصحابه من غيرها. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: رخص النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذي حمة. وقد تقدم أن الحمة هي كل ذات سم كالحية والعقرب. وأخرج البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنها كانت إذا أُتيت بالمرأة قد حُمت أخذت الماء فصبته بينها وبين جيبها، وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نبردها بالماء. وفي رواية لهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أبردوها بالماء. وقال: إنها من فيح جهنم. وبوّب مسلم على الحديث بقوله: باب لكل داء دواء، واستحباب التداوي. وقولها حُمت أي أصابتها الحمى، وجيبها: الجيب هو شق الثوب الذي يدخل منه الرأس. وأخرج البخاري ومسلم عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي. قال إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. قالت أصبر. قالت فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها. قال ابن حجر: في الحديث فضل من يصرع، وأن الصبر على بلاء الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل. وقال ابن تيمية في الفتاوى: ليس التداوي بضرورة لوجوه، أحدها أن كثيرا من المرضى أو أكثر المرضى يشفون بلا تداوٍ، لا سيما في أهل الوبر والقرى والساكنين في نواحي الأرض، يشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض، وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل، أو دعوة مستجابة، أو رقية نافعة، أو قوة للقلب وحسن التوكل، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة غير الدواء. وأخرج مسلم عن مطرف بن عبد الله. قال بعث إليَّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إني محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشت فاكتم علي، وإن مت فحدث بها إن شئت. قد كان يُسلَّم عليَّ حتى اكتويت فتركت، ثم تركت الكي فعاد. قوله: يُسلَّم عليَّ، أي تسلم عليَّ الملائكة، فلما اكتوى انقطع عنه سلامهم، فلما ترك الكي عاد سلامهم عليه. وأخرج مسلم عن عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك. وأخرج الشيخان عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولًا، قال الراوي: حسبت أنه قال والناس في مبيتهم، ينادي: ألا لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت. قال مالك: أرى ذلك من العين. الوتر بفتحتين أحد أوتار القوس، وقوله أو قلادة شك من الراوي، أي أنه لم يقيدها بالوتر، والمعنى قلادة مطلقًا. وتأوله مالك على أنه من أجل العين، وقال غيره: إنما أمر بقطعها. لأنه كانوا يعلقون فيها الأجراس. قال النووي: قال محمد بن الحسن وغيره: معناه لا تقلدوها أوتار القسي؛ لئلا تضيق على عنقها فتخنقها. وأخرج مسلم عن وائل الحضرمي أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال صلى الله عليه وسلم: إنه ليس بدواء، ولكنه داء. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والبزار والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث، زاد في رواية: يعني السم. قال الخطابي: الدواء الخبيث قد يكون خبثه خبث نجاسة، وهو أن يدخله المحرم كالخمر ونحوها من لحوم الحيوان غير مأكولة اللحم. وذكر حديث الضفدع، وقد سبق في باب الصيد، وقال: وقد يصف الأطباء بعض الأبوال وعذرة بعض الحيوان لبعض العلل، وهي كلها خبيثة نجسة، وتناولها محرم إلا ما خصته السنة من أبوال الإبل. وأخرج البيهقي حديث الباب في السنن، وقبله حديث تداووا ولا تداووا بحرام، ثم قال: وهذان الحديثان إن صحا فمحمولان على النهي عن التداوي بالمسكر. أو على التداوي بكل حرام في غير حال الضرورة، ليكون جمعًا بينهما وبين حديث العرنيين، والله أعلم.