الحديث رقم 336
نص الحلقة
في باب الطب أخرج الشيخان عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد يُسأل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال: جُرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكُسرت رباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه. فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم، وكان علي يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادًا، فألصقته بالجرح فاستمسك الدم. قوله: يسكب عليها بالمجن، أي يصب عليها بالترس، والحصير بساط يُنسج من سعف النخل. قال ابن حجر: في هذا الحديث مشروعية التداوي، ومعالجة الجراح، واتخاذ الترس في الحرب، وأن جميع ذلك لا يقدح في التوكل، لصدوره من سيد المتوكلين صلى الله عليه وسلم. وفيه مباشرة المرأة لأبيها، وكذلك لغيره من ذوي محارمها، ومداواتها لأمراضهم. وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد وجعه، استأذن أزواجه في أن يُمرَّض في بيتي، فأذنَّ له، فخرج وهو بين رجلين تخط رجلاه في الأرض، بين عباس بن عبد المطلب ورجل آخر، قال ابن عباس: هو علي. قالت: ولما دخل بيتي واشتد وجعه، قال: أهريقوا علي من سبع قرب لم تُحلل أوكيتهن. لعلي أعهد إلى الناس، فأجلسناه في مخضب لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم. باب الحث على التداوي والرخصة في تركه، وما نهي عنه من الأدوية. أخرج ابن أبي شيبة وأحمد، والبخاري في الأدب، وابن ماجه وأبو داود والنسائي، وابن خزيمة وابن حبان، والطبراني في الكبير، والحاكم، والبيهقي في السنن، والضياء المقدسي رحمهم الله جميعًا، بسند حسن، عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله، وعليه السكينة، كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاءت الأعراب من هاهنا وهاهنا يسألونه، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ قال: تداووا، فإن الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواءً، غير داء واحد وهو الهرم. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً. وأخرج مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لكل داء دواء، فإذا أُصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أمر... أن يُسترقى من العين، وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرها أن تسترقي من العين. وأخرج الشيخان عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جاريةً في وجهها سفعة، فقال: استرقوا لها فإن بها النظرة. السفعة تغير إلى السواد أو لون يخالف لون الوجه، والنظرة الإصابة بالعين، وقيل: المس، أي مس الجن. وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا. قوله: سابق القدر أي غالبه في السبق، وفيه إثبات القدر، وأن كل شيء بقدر الله عز وجل. وغسل العائن أن يغسل وجهه وكفيه وقدميه وداخلة إزاره في قدح، ويتمضمض فيمج فيه، ثم يصب على المعيون. وذكر النووي صفة الغسل مفصلاً، ثم قال: واختلف العلماء هل يُجبر العائن على الوضوء للمعين أم لا؟ وقال القاضي في هذا الحديث من الفقه: ما قاله بعض العلماء أنه ينبغي إذا عُرف أحد بالإصابة بالعين أن يُجتنب ويُتحرز منه، وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس، ويأمره بلزوم بيته، فإن كان فقيراً رزقه ما يكفيه ويكف أذاه عن الناس. انتهى، وفي شرح مشكل الآثار ذكر الإمام الطحاوي صفة الغسل، وجمع بين أمر النبي صلى الله عليه وسلم عامر بن ربيعة أن يدعو بالبركة إذا رأى ما يعجبه، وأمره إياه بالاغتسال. يحتمل أن يكون جمعهما له جميعا، ويحتمل أن ذلك كان من عامر لسهل مرتين، فأمره مرة بالدعاء ومرة بالاغتسال، ويحتمل أن الاغتسال نسخ. ثم ساق حديث أبي سعيد المتقدم: بسم الله أرقيك، وحديث عائشة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسترقى من العين، وقال: ففي هذه الآثار الاكتفاء بالمعوذتين وبالرقى ونسخ الغسل، لا سيما حديث أبي سعيد كان يتعوذ من عين الجان وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذهما وترك ما سواهما، ففيه نسخ الغسل وما سواه مما كان يفعله صلى الله عليه وسلم قبل نزولهما عليه. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأسا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه. وفي رواية قال: رخص النبي صلى الله عليه وسلم لآل حزم في رقية الحية. وقال لأسماء بنت عميس: ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة، تصيبهم الحاجة؟ قالت: لا. ولكن العين تسرع إليهم. قال: ارقيهم. قالت: فعرضت عليه، فقال: ارقيهم. وفي أخرى قال جابر: كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فأتاه، فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى وأنا أرقي من العقرب. فقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل. قوله بني أخي يعني أولاد جعفر بن أبي طالب، وقوله ضارعة أي نحيفة ضعيفة، وقوله تصيبهم الحاجة أي هل يجوعون؟ وسؤال القائل له: نهيت عن الرقى، أجاب العلماء عنه بأجوبة: أحدها أنه نهى أولاً ثم نسخ ذلك وأذن فيها، والثاني أن النهي عن الرقى المجهولة، والثالث أن النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها. وأخرج البخاري عن عمران بن حصين ومسلم عن بريدة بن الحصيب أنهما قالا: لا رقية إلا من عين أو حمة. الحمة بتخفيف الميم السم، والمراد كل ذات سم كالحية والعقرب، وتطلق على الإبرة التي يلدغ بها، وبتشديد الميم هي الحمة. قال العلماء: ليس المراد حصر الرقية الجائزة فيهما ومنعها فيما عداهما، وإنما المراد لا رقية أحق وأولى من رقية العين والحمة لشدة الضرر فيهما، وإنما المراد لا رقية أحق وأولى من رقية العين والحمة لشدة الضرر فيهما.