الحديث رقم 408

كتاب ذكر يوم القيامة · المدة 8:27 · المقطع 3 من 15

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

لما نزل في باب الحشر والحساب في حديث أنس عند البخاري ومسلم، قال في رواية: قال يجمع الله الناس يوم القيامة، فيهتمون لذلك، وفي رواية: فيلهمون لذلك، فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. قال فيأتون آدم، فيقولون: أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا نوحًا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. قال فيأتون نوحًا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلًا. فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، وذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله وأعطاه التوراة. قال فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته. فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال صلى الله عليه وسلم: فيأتونني، فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، قل تُسمع، سل تُعطه، اشفع تُشفع. فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحد لي حداً فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجداً، فيدعوني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع يا محمد، قل تُسمع، سل تُعطه، اشفع تُشفع. فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حداً فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة. قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة، فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن. قال قتادة: أي وجب عليه الخلود. قال النووي: قوله فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن، كما مضى في الحلقة السابقة، قال: هكذا هو في الأصول لا أقدر عليه، وهو صحيح، ويعود الضمير في عليه إلى الحمد. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي، وفي رواية: يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم. فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون له: يا آدم. أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات، وذكر كذباته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى، فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمدًا صلى الله عليه وسلم. وفي رواية قال: فيأتوني، فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ قال صلى الله عليه وسلم: فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تُعطه، واشفع تُشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب. ثم قال: والذي نفسي بيده، إنما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى. وفي رواية قال: وُضعت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذراع، وكانت أحب الشاة إليه، فنهس نهسة، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة. ثم نهس أخرى. فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة. فلما رأى أصحابه لا يسألونه، قال: ألا تقولون كيفه؟ قالوا: كيفه يا رسول الله؟ قال: يقوم الناس لرب العالمين. وساق الحديث بمعنى ما تقدم. وزاد في قصة إبراهيم فقال: وذكر قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إني سقيم. قوله نهش ونهس، بالمعجمة والمهملة، أي أخذ بأطراف أسنانه. وقوله: أنا سيد ولد آدم، لم يقصد به الافتخار صلى الله عليه وسلم، بل قاله بيانًا لما أُمر ببيانه وتبليغه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ولا فخر، كما جاء في غير الصحيحين، لينفي ما قد يتطرق إلى بعض الأفهام السقيمة. وقوله: ينفذهم البصر، يقال نفذني بصره، أي بلغني وتجاوزني، وهو كقوله: يبصرهم الناظر، ومعناه أن الناظر لا يخفى عليه منهم شيء، كما أن الداعي يسمعهم جميعًا. وقوله: كيفه، الهاء هاء السكت تلحق في الوقف. قال عياض رحمه الله: الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها هي الإراحة من كرب الموقف، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج، أي من النار.