الحديث رقم 411

كتاب ذكر يوم القيامة · المدة 8:43 · المقطع 6 من 15

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الحشر والحساب، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه السحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه كذلك. يُحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم. قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار. أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممن أراد الله تعالى أن يرحمه، ممن يقول لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود. حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار مقبل بوجهه على النار، وهو آخر أهل النار دخولًا الجنة، وفي رواية آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيدعو الله بما شاء أن يدعوه، ثم يقول الله: هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب قدمني إلى باب الجنة، فيقول الله له: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألا تسألني غير الذي أعطيت أبدًا؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: أي رب، ويدعو الله، حتى يقول: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيعطي ربه ما شاء الله من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة، فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب أدخلني الجنة. فيقول الله: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألا تسأل غير ما أعطيت؟ فيقول: ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك. فيقول: أي رب، لا أكون أشقى خلقك. فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك الله منه قال: ادخل الجنة. فإذا دخلها قال الله له: تمنَّه. فيسأل ربه ويتمنى، حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله تعالى: ذلك لك ومثله معه. قال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئًا، حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل: ومثله معه، قال أبو سعيد وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة. قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: ذلك لك ومثله معه. قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ذلك لك وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل النار دخولًا الجنة. قوله: هل تمارون، أي تجادلون أو تشكون، وروي: تضارون. وقوله: الموبق بعمله، في رواية: ميوبق بعمله، ومعناه الهلاك، وفي رواية: الموثق بالمثلثة. وقوله: المخردل، في رواية: من يخردل. والمخردل هو المقطع، أي بالكلاليب، يقال: خردلت اللحم أي قطعته. والمخردل أيضًا: المصروع، وهو بمعنى المكدوس في الرواية الأخرى. ورواه بعضهم: المجردل بالجيم، والجردلة هي الإشراف على الهلاك. وقوله: ثم ينجو، في رواية: ثم ينجلي، وفي أخرى: ثم يتجلى. وفي الأخرى: ومنهم المجازى حتى ينجو، وهو بمعنى قوله: المخردل ثم ينجو. وقد فصل النووي وابن حجر رحمهما الله اختلاف الروايات في الصحيحين في هذا الموضع، وتوجيه كل رواية. وقوله: قشبني، أي آذاني. وذكاؤها، أي اشتعالها ولهبها، يمد ويقصر. مفتوح الأول، وبهما ورد. وقولهم: تحاشوا، أي احترقوا. والحبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة، هذه رواية البخاري، ولمسلم: الخير والسرور، بمعجمة وتحتانية بلا هاء. قال القرطبي: الحبرة من الحبور، وهو الفرح والسرور، يقال: حبره يحبره بالضم حبرًا وحبرة. قال الله تعالى: فهم في روضة يحبرون، أي ينعمون ويكرمون ويسرون. وأخرج مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة. دارات وجوههم جمع دارة، وهي ما يحيط بالوجه من جوانبه، لا تأكلها النار لأنها محل السجود، كما نص عليه في حديث أبي هريرة وأبي سعيد السابق. وأخرج مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن الورود، فقال: نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا، انظر، أي ذلك فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟ فنقول: ننظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك، فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافقًا أو مؤمنًا نورًا ثم يتبعونه. وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضواء نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتون نبات الشيء في السيل، ويذهب حراقه، ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها. قوله: عن كذا وكذا انظر، أي فوق الناس، قال النووي: هكذا وقع هذا اللفظ في جميع الأصول. قال: صوابه نجيء يوم القيامة على كوم هكذا، رواه بعض أهل الحديث. وفي كتاب ابن أبي خيثمة من طريق عبد بن مالك: يُحشر الناس يوم القيامة على تل، وأمتي على تل. وذكر الطبري في التفسير من حديث ابن عمر: فيلقى هو، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأمته على كوم فوق الناس. قال القاضي: ثم إن الحديث كله من كلام جابر موقوفًا عليه، ليس فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نبه مسلم على ذلك في مواضع في الشفاعة. وقوله: يذهب حراقه، أي أثر النار فيه، والضمير يعود على المخرج من النار.