الحديث رقم 410
نص الحلقة
لم نزل في باب الحشر والحساب عند حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه البخاري ومسلم. في رواية مسلم قال أبو سعيد: إن ناسًا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا، وفي لفظ قال: قلنا يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فما تضارون في رؤية الله تعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبر أهل الكتاب، فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله. فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب، يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا، مرتين أو ثلاثًا. حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد لله اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه. ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم. قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناجٍ مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم. حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. وفي رواية: فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا. وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا. فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس يصيف أو خيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية. قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم. وفي رواية فقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه. فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا. فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا. قال أبو سعيد: بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف. قوله غبرات أهل الكتاب، غبر أهل الكتاب أي بقاياهم، والغابر بمعنى الماضي والباقي، فهو من الأضداد. وقوله: دحضة مزلة، ودحض مزلة بمعنى واحد، أي تزل فيه الأقدام. والسعدان نبت له شوك مستدير مفلطح، يستلقي كالحًا كهيئة أخفاف الإبل، ويقال لشوكه حسك السعدان. وأجاويد الخيل جمع أجواد، وأجواد جمع جواد، وهو الفرس السابق الجيد، والركاب الإبل. وقوله: فناجٍ مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم، معناه أنهم ثلاثة أصناف: صنف ينجو سالمًا لا يصيبه أدنى شيء، وصنف يخدش ثم يرسل، يقال خدش جلده أي مزقه، والخدش مزق الجلد قل أو كثر، والخدوش الآثار والكدوح. وصنف يكدس في النار أي يدفع فيسقط في جهنم، يقال كدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط. وقولهم تحيشوا، يقال محشته النار وأمحشته أي أحرقته، والمحش احتراق الجلد وظهور العظم. وقوله عادوا حممًا جمع حممة، وهي الفحمة وكل ما احترق، والحبة بكسر الحاء بزور النبات، وبفتحها حبة الحنطة والشعير، وحمل السيل ما يحمله من طين وغيره، وهي تنبت فيه سريعًا في يوم وليلة، شبههم بها لسرعة عودتهم أسوياء بعد احتراقهم.