الحديث رقم 409
نص الحلقة
في كتاب ذكر يوم القيامة، باب الحشر والشفاعة والحساب، أخرج مسلم رحمه الله عن حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة. فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله. فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلاً من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليماً. فيأتون موسى، فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه. فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق. قلت: بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً. قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناجٍ ومكدوس في النار. والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفاً. قوله تُزلف لهم أي تُقرَّب، وقوله من وراء وراء المشهورة فتحهما بلا تنوين، ويجوز بناؤهما على الضم. وقالها خليل الرحمن تواضعًا، عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه أبد الآباد. وجانبت الصراط جانباه. قال النووي: وأما إرسال الأمانة والرحم فهو لعظم أمرهما وكبر موقعهما، فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله تعالى. قال صاحب التحرير: في الكلام اختصار، والسامع فهم أنهما تقومان لتطالبا كل من يريد جواز بحقهما. وقوله: شد الرجال أي عدوهم وإسراعهم. وقوله: تجري بهم أعمالهم أي تكون سرعتهم بحسب أعمالهم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوًا؟ قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما. ثم قال: ينادي منادٍ ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله عز وجل من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تُعرض كأنها السراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله. فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا. فيقال: اشربوا. فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون نريد أن تسقينا، فيقال اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون فارقناهم ونحن أحوج منا إليهم اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا. قال فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقال هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون نعم، الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا، ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم. قلنا يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليها خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة، لها شوكة عقيفة، وفي رواية: عقيفاء، تكون بنجد يقال لها السعدان، يمر المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناجٍ مسلم، وناجٍ مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار، فإذا رأوا أنهم قد نجوا شفعوا في إخوانهم، يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا. ويعملون معنا، فيقول الله عز وجل: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا. قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواما قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان إلى الظل كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه. هذه رواية البخاري.