الحديث رقم 418

كتاب ذكر يوم القيامة · المدة 9:11 · المقطع 13 من 15

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب ذكر الجنة ونعيمها، أخرج مسلم رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين. فترفع له شجرة، فيقول: يا رب، أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها وأشرب من مائها. فيقول الله عز وجل: يا ابن آدم، لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها. فيقول: لا يا رب، ويعاهده ألا يسأله غيرها. قال: وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب، أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها. فيعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب، أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب، أدخلنيها. فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب، أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ فقال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكنني على ما أشاء قادر. وفي رواية له عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة، ومثل له شجرة ذات ظل، فقال: أي رب، قدمني إلى هذه الشجرة لأكون في ظلها. وساق الحديث بنحو حديث ابن مسعود، ولم يذكر: فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك، إلى آخر الحديث. وزاد فيه: ويذكره الله: سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني قال الله: هو لك وعشرة أمثاله. قال: ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين. فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك. فيقول: ما أُعطي أحد مثل ما أُعطيت. قوله: تسفعه النار، أي تلفحه لفحًا يسيرًا فتغير لونه. وقوله: ما يصريني منك، أي ما يقطع مسألتك عني. يقال: صراه صريًا، أي قطعه ودفعه. وأخرج مسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: سأل موسى عليه السلام ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أُدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله. فقال في الخامسة: رضيت رب. فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت رب. قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر. قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل: فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين، الآية. وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة. فيُصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيُصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط. قوله: يُصبغ في النار أي يُغمس، والصبغ الغمس، وصبغ الثوب ونحوه أي غمسه، وكل ما غمس فقد صُبغ. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يدخل أحد الجنة إلا أُري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرًا، ولا يدخل النار أحد إلا أُري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يُجعل بين الجنة والنار، فيُذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، وأهل النار حزنًا إلى حزنهم. وفي رواية: يُدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم، فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه. وأخرج الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت. ثم قرأ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا وهم لا يؤمنون. وفي رواية: ثم قرأ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وأشار بيده إلى الدنيا. وللبخاري عن أبي هريرة يقال لأهل الجنة: خلود لا موت، ولأهل النار: خلود لا موت. الأملح الذي فيه بياض وسواد، ويكون بياضه أكثر، وكل شعر وصوف كان فيه بياض وسواد فهو أملح. وقوله: يشرئبون، أي يرفعون رؤوسهم لينظروا إليه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له: تمنَّ، فيتمنى ويتمنى، فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم. فيقول له: فإن لك ما تمنيت ومثله معه. قال القاري: قوله فيقول له، أي الله سبحانه وتعالى، أو الملك. وقال الطيبي: المعنى أن أدنى منزلة أحدكم في الجنة أن ينال أمانيه كلها بحيث لا تبقى له أمنية.