الحديث رقم 415
نص الحلقة
في باب حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما بين ناحيتي حوضي، وفي رواية: ما بين لابتي حوضي، كما بين صنعاء والمدينة. وفي رواية: مثل ما بين المدينة وعمان، تُرى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء، أو أكثر من عدد نجوم السماء. وفي أخرى: إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء. قال البخاري: الكوب ما لا أذن له ولا عروة، والأباريق ذوات الآذان والعرى. وقال النووي: المختار الصواب أن هذا العدد على ظاهره، وأنها أكثر من نجوم السماء، ولا مانع عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده، لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء. وقال القاضي عياض رحمه الله: هذا إشارة إلى كثرة العدد، من باب قوله صلى الله عليه وسلم: لا يضع العصا عن عاتقه، وهو باب من المبالغة معروف في الشرع واللغة، ولا يعد كذبًا إذا كان المخبر عنه في حيز الكثرة. قال: والصواب الأول. وأخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أمامكم حوضًا، وفي رواية: حوضي. ما بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح، فيه أباريق كنجوم السماء، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبداً. قال عبيد الله بن عمر: فسألته يعني نافعاً، فقال: قريتين بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، وفي رواية ثلاثة أيام. وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا إني فرط لكم على الحوض، وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة، كأن الأباريق فيه النجوم. وأخرج مسلم عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم. فسئل عن عرضه فقال: من مقامي إلى عمان. وسئل عن شرابه فقال: أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من ورق. عقر الحوض موضع الشاربة منه، وهو مؤخره حيث تقف الإبل إذا وردت، وعقر الدار أصلها. وقوله يرفض أي يسيل متفرقاً. وقوله أذود الناس لأهل اليمن أي أطرد الناس ليرد أهل اليمن. وقوله يغت يقال غت إذا جرى له صوت، ومعنى يغتان أي يدفقان الماء فيه دفقاً متتابعاً شديداً. والميزاب المثعب، فارسية معربة. وأخرج مسلم عن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه. أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: حوضه ما بين صنعاء والمدينة. فقال المستورد: ألم تسمعه؟ قال الأواني؟ قال: لا. قال المستورد: تُرى فيه الآنية مثل الكواكب. وأخرج الشيخان عن عبد الله بن عامر بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وفي رواية: أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبداً. قوله: حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، قال العلماء: معناه طوله كعرضه، كما قال في حديث أبي ذر الآتي: عرضه مثل طوله. والكيزان جمع كوز، وهو الكوب ذو العروة، فإن كان بلا عروة فهو كوب. وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفس محمد بيده، لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية. آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عُمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل. قال الحافظ ابن حجر في حديث أبي ذر: ما بين عُمان إلى أيلة. عُمان بضم المهملة وتخفيف النون، بلد على ساحل البحر من جهة البحرين. وفي حديث ثوبان: ما بين عدن وعَمَّان البلقاء. وعَمَّان هذه بفتح المهملة وتشديد الميم، وحكي تخفيفها، وتُنسب إلى البلقاء لقربها منها، والبلقاء بلدة معروفة من فلسطين. وجاء في صفة الحوض أنه من عدن إلى أيلة، وهذه المسافة مسيرة شهر تزيد أو تنقص. وفي بعض الروايات أنه كما بين صنعاء والمدينة، أو بين المدينة وعَمَّان، وهذه المسافة مسيرة نصف شهر تزيد أو تنقص. وأقل ما ورد في ذلك قوله: كما بين جرباء وأذرح، وهما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام. قال الحافظ: وقد جمع العلماء بين هذا الاختلاف، وأجاب النووي بأنه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة، فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة. وحاصله أنه يشير إلى أنه أُخبر أولًا بالمسافة اليسيرة، ثم أُعلم بالمسافة الطويلة فأخبر بها، كأن الله تفضل عليه باتساعه شيئًا بعد شيء، فيكون الاعتماد على ما يدل على أطولها مسافة. وجمع غيره باختلاف السير البطيء والسير السريع، وحمل رواية الثلاث على سير البريد، فقد عُهد منهم من قطع مسافة الشهر في ثلاثة أيام ولو كان نادرًا جدًا. وأما مسافة الثلاث فإن الحافظ ضياء الدين المقدسي ذكر في الجزء الذي جمعه في الحوض. النبي في سياق لفظها غلطا، وذلك الاختصار وقع في سياقه من بعض رواته، ثم ساقه من حديث أبي هريرة، فقال فيه: عرضه مثل ما بينكم وبين جرباء وأذرح. قال الضياء: فظهر بهذا أنه وقع في حديث ابن عمر حذف، تقديره كما بين مقامي وبين جرباء وأذرح، فسقط مقامي وبين. وقد ثبت القدر المحذوف عند الدارقطني وغيره بلفظ: ما بين المدينة وجرباء وأذرح، وإذا تقرر ذلك رجع جميع المختلف إلى أنه الاختلاف السير البطيء والسير السريع.