الحديث رقم 157
نص الحلقة
ما زلنا في باب ذكر الخوارج في حديث أبي سعيد الطويل في البخاري ومسلم. قال في رواية: قال أبو سعيد: بعث علي رضي الله عنه، وهو باليمن، إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة في تربتها، فقسمها بين أربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم أحد بني مجاشع، وبين عيينة بن بدر الفزاري، وبين علقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وبين زيد الخيل الطائي، ثم أحد بني نبهان، فتغضبت قريش والأنصار، فقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أتألفهم. فأقبل رجل غائر العينين، ناتئ الجبين، كث اللحية، مشرف الوجنتين، محلوق الرأس، فقال: يا محمد، اتق الله. فقال: فمن يطيع الله إذا عصيته؟ أفيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ فسأل رجل من القوم قتله، أراه خالد بن الوليد، فمنعه. فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. ولمسلم نحوه بزيادة ألفاظ، وفيها: بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، وفيها: والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل، وفيها: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً. وفيها فقال يا رسول الله اتق الله، فقال ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال لا، لعله أن يكون يصلي. قال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم. ثم نظر إليه وهو مقف، إنه يخرج من ضئضئ هؤلاء قوم يتلون كتاب الله رطبًا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. قال أظنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود. وفي رواية فقام إليه عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال لا. فقام إليه خالد سيف الله فقال يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال لا. وللبخاري أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئًا، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق. وللبخاري طرف منه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج ناس من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه. قيل: ما سِماهم؟ قال: سِماهم التحليق، أو قال: التسبيد. ولمسلم في أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس، سِماهم التحالق، قال: هم شر الخلق، أو من أشر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق. قال: فضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم مثلاً، أو قال قولاً: الرجل يرمي الرمية، أو قال الغرض، فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة. قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق. وله في أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق. قوله: ينظر في النصل، نصل السهم حديدته التي في رأسه، والرصاف جمع رصافة، وهي عقبة تُلوى وتشد على مدخل النصل، ونضي السهم متنه ما بين الريش والنصل، وقيل هو السهم قبل أن يُنحت، وقُذذ السهم آذانه، وللسهم ثلاثة آذان. وقوله: يتمارى في الفوق، أي يشك الرامي في مدخل الوتر من السهم هل فيه أثر من الصيد أم لا. وقوله: سبق الفرث والدم، أي مر سريعاً في الرمية وخرج منها لم يعلق به شيء من فرثها ولا دمها لسرعته، شبه به خروجهم من الدين ولم يعلقوا بشيء منه، مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، والفرث اسم لما في الكرش. وقوله: من ضئضئ هذا، أي من نسله وعقبه. وقوله تدردر أي ترجرج، وقوله صلى الله عليه وسلم: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ أعظم جواب مسكت لمن شك في شيء من سنته صلى الله عليه وسلم، إذ كيف يأمنه الله جل وعلا ولا نأمنه نحن، فدى له آباؤنا وأمهاتنا صلى الله عليه وسلم. قال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالهم فرقة من فرق المسلمين، وعجاز مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام. وقال القرطبي في المفهم: والقول بتكفيرهم أظهر، أظهر في الحديث. قال: فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتسبى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج. وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب. فأما من استسر منهم ببدعة، فإذا ظهر عليه هل يقتل بعد الاستتابة أو لا يقتل، بل يجتهد في رد بدعته؟ اختلف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم. قال رحمه الله: وباب التكفير باب خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئا. وأخرج البخاري ومسلم عن سويد بن غفلة قال: قال علي رضي الله عنه: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه. وفي رواية: من أن أقول عليه ما لم يقل. وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ، وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.