الحديث رقم 163
نص الحلقة
في باب الهجرة أخرج البخاري عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت ابن عمر يغضب إذا قيل له إنه هاجر قبل أبيه. قال ابن عمر: قدمت أنا وعمر على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فوجدناه قائلاً، فرجعنا إلى المنزل، فأرسلني عمر فقال: اذهب فانظر هل استيقظ؟ فوجدته قد استيقظ فبايعته، ثم انطلقت إلى عمر، فجئنا نهرول فبايعه ثم بايعته. قوله: فوجدناه قائلاً، القائل هو المستريح وقت القيلولة، وهو الذي أقام وقت شدة الحر إما في مكان أو بيت لينكسر الحر ويخرج. وأخرج البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة. أخرجه البخاري في باب التاريخ، أي لم يعدوا التاريخ إلا من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، لا من غيرها من الأحداث. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن أعرابياً قال: يا رسول الله أخبرني عن الهجرة. قال صلى الله عليه وسلم: ويحك، إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم. قال: فهل تمنح منها؟ قال: نعم. قال: فتحلبها يوم وردها؟ قال: نعم. قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئاً. قال النووي: قال العلماء: الهجرة التي سأل عنها هي ملازمة المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم وترك أهله ووطنه، فخاف النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقوى عليها ولا يقوم بحقوقها وينكص على عقبيه. فقال له ذلك. قالوا والمراد بالبحار هنا القرى، والعرب تسمي القرى البحار، والقرية البحيرة. وقال ابن حجر: قوله اعمل من وراء البحار مبالغة في إعلامه بأن عمله لا يضيع في أي موضع كان. وقوله لن يترك من عملك شيئًا، أي لن ينقصك. وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن عبد الله بن عامر بن العاص قال: قال رجل يا رسول الله، أي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما كره ربك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الهجرة هجرتان: هجرة الحاضر وهجرة البادي، فأما البادي فيجيب إذا دعي ويطيع إذا أمر، وأما الحاضر فهو أعظمهما بلية وأعظمهما أجرًا. قال السندي: أي أفضل الهجرة هجر ما يكرهه الله، وما عدا هذا من الهجرة هجرتان، والبادي هو ساكن البادية، أي إذا سكن البادية مع حضوره الجهاد وطاعته لله ورسوله فهو مهاجر، وأما من ترك وطنه وسكن المدينة لله ورسوله فهو أكمل. وأخرج البخاري ومسلم عن مجاشع بن مسعود رضي الله عنه قال: إنه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا مجالد يبايعك على الهجرة. فقال صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح، ولكن أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد. وفي رواية قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأخي. فقلت: بايعنا على الهجرة، فقال: مضت الهجرة لأهلها. فقلت: علامة تبايعنا؟ قال: على الإسلام والجهاد. وفي أخرى قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أبايعه على الهجرة، فقال: إن الهجرة قد مضت لأهلها، ولكن على الإسلام والجهاد والخير. باب المغازي والسير. أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن يزيد قال: لقيت زيد بن أرقم، فقلت له: كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: تسع عشرة غزوة. فقلت: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة غزوة. قلت: فما أول غزاة غزاها؟ قال: ذات العسير أو العشير. قال قتادة: العشير. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، لم أشهد بدراً ولا أحداً، منعني أبي، فلما قُتل عبد الله يوم أُحد لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري ومسلم عن بريدة رضي الله عنه أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة، ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمانٍ منها. وأخرج الشيخان عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، فذكر خيبر والحديبية ويوم حنين ويوم القرد، قال يزيد بن أبي عبيد: ونسيت بقيتها. وفي رواية أنه سمعه يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات. وخرجوا فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرة علينا أبو بكر، ومرة علينا أسامة. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلاثمائة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيرًا لقريش، فأقمنا بالساحل نصف شهر، وأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسمي جيش الخبط، وهو السمر. فألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر، فأكلنا منها نصف شهر، وادهنا من ودكها حتى ثابت أجسامنا. قال: فأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمله عليه فمر تحته. ولمسلم قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمَّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، وكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. قال أبو الزبير: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله. وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر. قال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمائة. حتى سمنا. قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقتطع منه الفِدَر كالثور أو كقدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله. هذه الغزوة تسمى غزوة سيف البحر، والخبط ورق السلم يُخبط فينتثر لتأكله الإبل. وقوله: حِجاج عينه هو العظم المستدير حول العين الذي فيه الحدقة، ووقب عينه النقرة التي فيها العين، والقلال جمع قلة وهي الجرة الكبيرة يقلها الرجل بين يديه أي يحملها، والفِدَر جمع فِدرة وهي القطعة من اللحم، والوشائق جمع وشيقة وهي لحم يُغلى قليلاً ثم يُقدد ويحمل في الأسفار يكون أبقى له. قال النووي رحمه الله: في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم من لحمه دليل على أنه لا بأس بسؤال الإنسان من مال صاحبه ومتاعه إدلالاً عليه، وليس هو من السؤال المنهي عنه، إنما ذلك في حق الأجانب للتمول ونحوه، وأما هذا فللمؤانسة والإدلال والمبالغة في تطييب نفوسهم في حله.