الحديث رقم 173
نص الحلقة
لم نزل في باب المغازي والسير في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه في قصة الحديبية وغزوة ذات قرد وخيبر، في رواية للبخاري ومسلم رحمهما الله، قال سلمة: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فاغفر فداءً لك ما اقتفينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، وألقين سكينة علينا، إنا إذا صيح بنا أتينا، وبالصياح عوّلوا علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق؟ فقالوا: عامر بن الأكوع، فقال: يرحمه الله. قال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا به. قال: فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله فتحها عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فُتحت عليهم أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم. قال: على أي لحم؟ قالوا: لحم الحمر الإنسية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهريقوها واكسروها. فقال رجل: يا رسول الله، أونهريقها ونغسلها، أو نهريقها ونغسلها؟ فقال: أو ذاك. فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر، فتناول به يهودياً ليضربه، فرجع ذباب سيفه فأصاب ركبته فمات منها. فلما قفلوا قال سلمة: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاحبًا ساكتًا وهو آخذ بيدي، قال: ما لك؟ فقلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرًا حبط عمله. قال: من قاله؟ قلت: قاله فلان وفلان وأسيد بن حضير. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذب من قاله، إن له لأجرين، وجمع بين أصبعيه، إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله، وفي رواية: نشأ بها مثله. ولمسلم قال سلمة: لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالًا شديدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وشكوا فيه: رجل مات في سلاحه. قال سلمة: فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي أن أرجز بك، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن الخطاب: اعلم ما تقول. فقلت: والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت. فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، والمشركون قد بغوا علينا. فلما قضيت رجزي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال هذا؟ قلت: قاله أخي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحمه الله. فقلت: يا رسول الله، والله إن ناسًا ليهابون الصلاة عليه، يقولون: رجل مات بسلاحه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبوا، مات جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرتين. وأخرج مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا يُسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مئة، فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه. قال: بايعناه على ألا نفر، ولم نبايع على الموت، غير جَدِّ بن قيس الأنصاري اختفى تحت بطن بعيره، وسُئل هل بايع النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها، ولم يبايع عند شجرة إلا الشجرة التي بالحديبية. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: من يصعد الثنية، ثنية المرار، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل. فكان أول من صعدها خيلنا، خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر. فأتيناه فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله. فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. قال: وكان رجل ينشد ضالة له. ثنية مرار كالعقبة في الجبل. قال ابن إسحاق: هي مهبط الحديبية، والذي حط عن بني إسرائيل هو ذنوبهم. وأخرج مسلم عن أنس أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غِرَّة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم سِلْمًا فاستحياهم، فأنزل الله عز وجل: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة. من بعد أن أظفركم عليهم. وأخرج البخاري عن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله. قال جويرية: فسألت نافعًا: على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا، بايعهم على الصبر. وأخرج مسلم عن معقل بن يسار رضي الله عنه، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربعة عشرة مئة. قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر. أخرجه مسلم في باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن طارق بن عبد الرحمن، قال: انطلقت حاجًّا، فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان. فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: كان أبي ممن بايع تحت الشجرة. قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فعميت علينا، فلم نقدر عليها. قال سعيد: فأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها، وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم. وأخرج البخاري ومسلم عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه، قال: لما كان يوم الحرة، والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة، قال ابن زيد: على ما يبايع ابن حنظلة الناس؟ قيل له: على الموت. قال: لا، أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان شهد معه الحديبية. يوم الحرة هو يوم خلع أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية، وبايعوا عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري سنة ثلاث وستين. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم. فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلاً، فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب، وركبت خلف أبي طلحة، وإن قدمي لتمس قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد والله، محمد والخميس. قالوا: والخميس الجيش. فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الله أكبر، الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. فظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، فقتل المقاتلة وسبى الذراري. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر، قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب النبي صلى الله عليه وسلم وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، وانحسر الإزار. وفي رواية ثم حسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم. فلما دخل القرية قال الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، قالها ثلاث مرات. قال وقد خرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد والخميس. قال: وأصبناها عنوة. قال الخطابي رحمه الله: فيه أن الأذان شعار الإسلام، وأنه لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه.