الحديث رقم 162
نص الحلقة
في باب الهجرة أخرج البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأت: سبح اسم ربك الأعلى، في سور مثلها من المفصل. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه، أنا وأخوان لي، أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم، إما قال في بضعة، وإما قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي. قال: فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا هاهنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً، فوافينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، فأسهم لنا، أو قال: فأعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً إلا لمن شهد معه. إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم. فكان ناس من الناس يقولون لنا، يعني لأهل السفينة: سبقناكم بالهجرة. فدخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه. فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. فقال عمر: آل حبشية هذه؟ آل بحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم. فغضبت، وقالت كلمة: كذبت يا عمر، كلا والله، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو أرض البعداء البغضاء في الحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله. وايم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا. قال: فما قلت له؟ قالت: قلت له كذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بأحق بي منكم، وله وأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان. قالت فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالًا يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو بردة: فقالت لي أسماء، فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني. قوله رضي الله عنه: نحن باليمن، أي من بلاد قومهم. وقوله: ركبنا سفينة، أي لنصل فيها إلى مكة. وقوله: ألقتنا سفينتنا إلى النجاشي، كأن الريح هاجت عليهم، فما ملكوا أمرهم حتى أوصلتهم بلاد الحبشة. قاله ابن حجر. وقال النووي: قولها كذبت، أي أخطأت، وقد استعملوا كذب بمعنى أخطأ. وقولها البعداء، البغضاء، قال العلماء: البعداء في النسب، البغضاء في الدين؛ لأنهم كفار، إلا النجاشي، وكان يستخفي بإسلامه عن قومه ويوري لهم. وقولها: يأتوني أرسالًا، أي أفواجًا. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ قال: حصن كان لدوس في الجاهلية، فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، أي استوخموها، فلم توافق مزاجهم، فمرضا فجزع جزعًا شديدًا، فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه. والبراجم العُقَد التي في ظاهر الأصابع، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه. فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت. فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم وليديه فاغفر. وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا. قوله: لا هجرة بعد الفتح، أي فتح مكة. قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم، لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو. وقال القرطبي: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان. أما أرض البدعة، فقال مالك: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسب فيها السلف. وقال سعيد بن جبير: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها. وتلا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها. وقوله: ولكن جهاد ونية، قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة. وقوله: إذا استنفرتم فانفروا، أي إذا طلب منكم النفير للجهاد فأجيبوا. وأخرج البخاري عن مجاهد قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام، فقال: لا هجرة بعد الفتح، أو قال: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن جهاد ونية، فانطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئًا وإلا رجعت. وأخرج البخاري ومسلم عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير، وهي مجاورة بثبير، فسألناها عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يفتن عنه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية. قال المباركفوري في مرعاة المفاتيح: لا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتحه فالمسلم فيه أحد ثلاثة: قادر على الهجرة لا يمكنه إظهار دينه، فالهجرة عليه واجبة. الثاني: قادر يمكنه إظهار دينه فهجرته مستحبة. الثالث: عاجز فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وهاجر أجر. انتهى مختصرًا.