الحديث رقم 164
نص الحلقة
في باب المغازي والسير أخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه، يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض. فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه فأخذه من ورائه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعد. فأنزل الله عز وجل: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين، فأمده الله بالملائكة. قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم. إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خُطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع. فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان، نسيبا لعمر، فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإلا لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله عز وجل: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، فأحل الله الغنيمة لهم. قوله: إن تهلك هذه العصابة، ضبطوه بفتح التاء وضمها، وكذلك قوله: كفاك مناشدتك ربك بفتح التاء وضمها. وقوله يسخر في الأرض أي يبالغ، والمراد المبالغة في قتل الكفار، يقال: أثخانه المرض إذا أوهنه، وكان هذا قبل حل الغنيمة، أما بعد ذلك فقد قال الله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً، فيرى الجمهور أن الأمر في أسرى الكفرة إلى الإمام يفعل ما هو الأحظ للإسلام والمسلمين، بين ضرب الجزية لمن شرع أخذها منه، أو القتل، أو الاسترقاق، أو المن بلا عوض أو بعوض، هذا في الرجال، وأما النساء والصبيان فيسترقون بنفس الأسر، ويجوز المفاداة بالأسيرة الكافرة بأسير مسلم أو مسلمة عند الكفار، ولو أسلم الأسير زال القتل اتفاقا، وهل يصير رقيقا أو تبقى بقية الخصال؟ قولان للعلماء. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة يوم بدر: اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم. فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك. فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر. وأخرج البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب. وأخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: إني لواقف في الصف يوم بدر فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما. فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: أي عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك. وغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه. قال: فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال: كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال: كلاكما قتله، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء. وفي رواية: فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه وهما ابنا عفراء. قوله: أضلع منهما، هكذا هو في جميع النسخ، ووقع في بعض روايات البخاري: أصلح. قاله النووي، ومعنى أضلع: أقوى. وقوله: لا يفارق سوادي سواده، أي لا يفارق شخصي شخصه. واختلف العلماء في معنى هذا الحديث. قال النووي: قال أصحابنا: اشترك هذان الرجلان في جراحته، لكن معاذ بن عمرو بن الجموح أثخنه أولاً فاستحق السلب. وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِلَاكُمَا قَتَلَهُ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الْآخَرِ، وَلِأَنَّ لَهُ مُشَارَكَةً فِي قَتْلِهِ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الَّذَيْنِ قَتَلَاهُ ابْنَا عَفْرَاءَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِهِ، وَكَانَ الْإِثْخَانُ مِنْ مُعَاذِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْجَمُوحِ، ثُمَّ جَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِيهِ رَمَقٌ فَحَزَّ رَقَبَتَهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ: مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَكَ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى بَرَدَ، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ: أَأَنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ أَوْ قَالَ قَتَلَهُ قَوْمُهُ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي. قَوْلُهُ حَتَّى بَرَدَ أَيْ مَاتَ. قَالَ الْقَاضِي: رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بَرَدَ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْكَافِ بَرَكَ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مُحَقِّقُونَ، وَالْأَكَّارُ هُوَ الْفَلَّاحُ. قَالَهُ اسْتِصْغَارًا وَاسْتِعْظَامًا: كَيْفَ مِثْلُهُ يَقْتُلُ مِثْلَهُ.