الحديث رقم 177
نص الحلقة
ما زلنا في باب المغازي والسير. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتلوه. زاد البخاري قال مالك: ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نرى، والله أعلم، يومئذ محرماً. ولمسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة، وفي رواية يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. قال النووي: هذا دليل لمن يقول بجواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد نسكاً، سواء كان دخوله لحاجة تتكرر كالحطاب والصياد، أم لا تتكرر كالتاجر والزائر، وسواء كان آمناً أو خائفاً. وقيل لا يجوز دخولها بغير إحرام إن كانت حاجته لا تتكرر إلا أن يكون مقاتلاً أو خائفاً. ونقل القاضي نحو هذا عن أكثر العلماء. قوله صلى الله عليه وسلم: اقتلوه، قال العلماء: إنما قتله لأنه كان قد ارتد عن الإسلام، وقتل مسلماً كان يخدمه، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويسبه، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. وفي هذا الحديث حجة لمالك والشافعي وموافقيهما في جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأول هذا الحديث على أنه قتله في الساعة التي أبيحت له. وأخرج أبو داود والبزار والنسائي والحاكم والبيهقي في السنن والضياء بسند حسن عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة وامرأتين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح. فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارًا وكان أشبَّ الرجلين فقتله. وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه. وأما عكرمة بن أبي جهل فركب البحر فأصابتهم عاصف، فقال أهل السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا هاهنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره. اللهم إن لك علي عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوًا كريمًا. فجاء فأسلم. وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث. ثم أقبل على أصحابه فقال: ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين. عبد الله بن أبي السرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فارتد عن الدين، ثم أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه. ومِقْيَس بن صبابة أسلم هو وأخوه هشام، فقتل هشامًا رجل من الأنصار غيلة، فلم يُعرَف، فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يأمرهم أن يدفعوا إلى مِقْيَس دية أخيه، ففعلوا، فأخذ الدية وقتل الرسول ولحق بمكة مرتدًّا. والمرأتان هما جارية بن خطل، أمر بقتلهما معه؛ لأنهما كانتا تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام وأحكام الإسلام. فهؤلاء الذين استثناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنهم، بل أمر بقتلهم، قد عملوا بموجبات القتل فاستحقوه، وبيان ذلك مفصل في كتب الحديث والسيرة. قال الطيبي، ويُعلَم منه أن الحرم لا يمنع من إقامة الحدود على من جنى خارجه والتجأ إليه. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وحول الكعبة ستون وثلاثمائة نُصُب، وفي لفظ: ستون وثلاثمائة صنم، فجعل يطعنها بعود في يده، يقول: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا. جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد. النُّصُب بضمتين، وبفتح أوله وسكون ثانيه: نَصْب، هو واحد الأنصاب، وهو ما يُنصب للعبادة من دون الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: وما ذُبح على النُّصُب. وهو أيضًا العلم المنصوب. قال تعالى: كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ، وَقُرِئَ بِهِمَا. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أراد حنينًا: منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا الكفر. وفي رواية: منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف، حيث تقاسموا على الكفر. وقد سبق الحديث في كتاب الحج، وما قيل إنه صلى الله عليه وسلم نزله ليتذكر نعمة الله عليه بالظهور على أعدائه الذين تقاسموا فيه على قطيعته ومضرته. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده. فنادى يومئذ النداءين لم يخلط بينهما شيئًا. التفت عن يمينه فقال: يا معشر الأنصار. قالوا: لبيك يا رسول الله، نحن معك، أبشر أبشر. ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار. قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر أبشر، نحن معك. وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: أنا عبد الله ورسوله. فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ غنائم كثيرة، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالًا من قريش المئة من الإبل. فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم. فَبَلَغَهُ ذلك، فجمعهم في قبة، فقال: يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم؟ فسكتوا، فقال: يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، راضينا. فقال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا، لأخذت شعب الأنصار. وفي رواية، فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به. قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا. قال: فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض. قالوا: سنصبر. قال أنس: فلم نصبر. وفي أخرى قال: أفيكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أخت القوم منهم. فقال: إن قريشًا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم. ولمسلم قال أنس: افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينًا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت: فصفة الخيل، ثم صفة المقاتلة، ثم صفة النساء، ومن وراء ذلك. ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم، ونحن بشر كثير، وقد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب، ومن نعلم من الناس، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا آل المهاجرين، يا آل المهاجرين، ثم قال: يا آل الأنصار، يا آل الأنصار، قلنا: لبيك يا رسول الله، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أنس: وايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله، فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف، فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة فنزلنا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي المئة، ثم ذكر باقي الحديث بنحوه.