الحديث رقم 171
نص الحلقة
في باب المغازي والسير، أخرج مسلم رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أن قريشًا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال سهيل: أما بسم الله، فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم. فقال: اكتب: من محمد رسول الله. قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب: من محمد بن عبد الله. فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا. فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا. وأخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يدخل، يعني من العام المقبل، يقيم فيها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. قالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، ولكن أنت محمد بن عبد الله. فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله. ثم قال لعلي: امحه. فقال علي: ما أنا بالذي أمحوه. فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها. فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًّا، فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا، فقد مضى الأجل. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية قال: صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاهم من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح، السيف والقوس ونحوه. وجاء أبو جندل يحجل في قيوده فرده إليهم. تلك العمرة التي ذكرت تسمى عمرة القضاء؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاها عليهم. وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرًا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا، ولا يقيم إلا ما أحبوا. فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثة أمروه أن يخرج فخرج. وأخرج البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتمرنا معه، فلما دخل مكة طاف فطفنا معه. وأتى الصفا والمروة وأتينا معه، وكنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد. وفي رواية قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين، ومعه من يستره من الناس، فقال له رجل: أدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة؟ قال: لا. وفي أخرى عن عبد الله بن أبي أوفى أنه سمع ابن عباس يقول: لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعة عشرة مئة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جَبَر ركية، فإما دعا وإما بصق فيها، فجاشت فسقينا واستقينا. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة، فبايعته في أول الناس، ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس قال: بايع يا سلمة. قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس. قال: وأيضًا. قال يزيد بن أبي عبيد: قلت لسلمة: يا أبا مسلم، على أي شيء تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. قال: وقد رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم أعزل، يعني ليس معه سلاح، فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم حجفة أو درقة، هي مثل الترس، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: ألا تبايعني يا سلمة؟ قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس. قال: وأيضًا. فبايعته الثالثة. ثم قال لي: يا سلمة، أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ قلت: يا رسول الله، لقيني عمي عامر أعزل، فأعطيته إياها، فضحك صلى الله عليه وسلم، وقال: إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيبًا هو أحب إلي من نفسي. ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض، واصطلحنا، وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه وأحسه وأخدمه وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها، فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قُتل ابن زُنيم. فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثًا في يدي، أي مجموعًا، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم، لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عينه. ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعوهم، يكون لهم بدء الفجور وثناه. فعفا عنهم صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم. وكان الله بما تعملون بصيرًا. ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلًا بيننا وبين بني لحيان جبل، وهم المشركون. فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقي هذا الجبل الليلة، كأنه طليعة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا. ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع رباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه، وخرجت معه بفرس لطلحة أنديه مع الظهر. فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي إبله، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه. فقلت: يا رباح، خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه. ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا: يا صباحاه. وفي رواية قال: خرجت من المدينة أريد الغابة قبل أن يؤذن بالأولى. وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد، فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أُخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم.