الحديث رقم 181
نص الحلقة
في باب المحرمات من النساء أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يُقرأ من القرآن. قال النووي: قولها فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يُقرأ، معناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدا، حتى إنه صلى الله عليه وسلم توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوا، لكنه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يُتلى. والنسخ ثلاثة أنواع: أحدها ما نُسخ حكمه وتلاوته، كعشر رضعات. والثاني ما نُسخت تلاوته دون حكمه، كخمس رضعات، وكالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما. والثالث ما نُسخ حكمه وبقيت تلاوته، وهذا هو الأكثر، ومنه قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج الآية. وأخرج مالك بسند صحيح عن نافع مولى ابن عمر أن سالما بن عبد الله أخبره أن عائشة أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر، فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل علي. قال سالم: فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات، ثم مرضت فلم ترضعني غير ثلاث مرات، فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تتم لي عشر رضعات. قال السيوطي: هذه خصوصية لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم دون سائر النساء. وأخرج مالك والشافعي والبيهقي في السنن بسند صحيح عن نافع مولى ابن عمر أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته أن حفصة أم المؤمنين أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى أختها فاطمة بنت عمر ترضعه عشر رضعات وهو صغير يرضع ليدخل عليها، ففعلت فكان يدخل عليها. وأخرج مسلم عن أم الفضل رضي الله عنها قالت: دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيتي، فقال: يا نبي الله، إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأة الحدثى رضعة أو رضعتين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان. وفي رواية أن رجلاً من بني عامر بن صعصعة قال: يا نبي الله، هل تحرم رضعة الواحدة؟ قال: لا. وفي أخرى سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: أتحرم المصة؟ قال: لا. وفي أخرى قال: لا تحرم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان. وفي رواية: الرضعة والرضعتان والمصة والمصتان. قال ابن تيمية رحمه الله: والرضاعة المحرمة بلا ريب أن يرضع خمس رضعات، فيأخذ الثدي فيشرب منه ثم يدعه، ثم يأخذه فيشرب مرة ثم يدعه، ولو كان ذلك في زمن واحد مثل غدائه أو عشائه. وأما دون الخمس فلا يحرم في مذهب الشافعي، وقيل يحرم القليل والكثير كقول أبي حنيفة ومالك، وقيل لا يحرم إلا ثلاث رضعات. ولا قالوا الثلاثة مروية عن أحمد، لكن الأول أشهر عنه، لحديث عائشة: كان مما نزل في القرآن عشر رضعات يحرمن، ثم نُسخ ذلك بخمس رضعات. وفي المسند وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر امرأة أن ترضع شخصًا خمس رضعات لتحرم عليه، والرضاع المحرم ما كان في الحولين. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة بعد أن أُنزل الحجاب. قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فليلج عليك عمك. قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. قال: إنه عمك، فليلج عليك. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بيتك. فقال: أراه فلانًا لعم حفصة من الرضاعة. فقالت عائشة: يا رسول الله، لو كان فلان حيًّا لعمها من الرضاعة دخل علي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة. وفي أخرى: إنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله، إنه أخي من الرضاعة. فقال: انظرن إخوتكن من الرضاعة. وفي رواية: انظرن من إخوانكن. فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ. قال ابن تيمية: جمهور العلماء، الأئمة الأربعة وغيرهم، على أن رضاع الكبير، يعني بعد الحولين، لا تأثير له، واحتجوا بحديث عائشة: إنما الرضاعة من المجاعة. وأخرج البخاري عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان ممن شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبنى سالماً وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيداً، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ، إلى قوله: وَمَوَالِيكُمْ، فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ. فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً، وقد أنزل الله فيه ما قد علمت، فذكر الحديث. أخرجه البخاري في باب الأكفاء في الدين. وقال ابن تيمية في الفتاوى: وأما الكفاءة في النسب، فالنسب معتبر عند مالك، وأما عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، فهي حق للزوجة والأبوين، فإن رضوا بدون كفء جاز، وعند أحمد هي حق لله، فلا يصح النكاح مع فراقها، والله أعلم. قوله: فذكر الحديث، أشار إليه البخاري ولم يخرجه، ورواه مسلم في باب رضاعة الكبير، وهو الحديث الآتي هنا. بعد هذا، أخرج مسلم عن عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، وهو حليفه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه. قالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ وفي رواية فقالت: إنه ذو لحية. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: قد علمت أنه رجل كبير، وقد كان شهد بدراً. وفي أخرى أن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيته، فأتت، تعني سهلة بنت سهيل، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنه لا يدخل علينا، وإني أظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة. فرجعت فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة. وفي أخرى عن زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي. فقالت عائشة: أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله، إن سالماً يدخل علي وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه حتى يدخل عليك. وكانت أم سلمة تقول: أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحداً بتلك الرضاعة. وقلن لعائشة: ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها النبي صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة. فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا. في رواية لمالك في الموطأ قال: أرضعيه خمس رضعات. قال القاضي: قوله أرضعيه لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها، ولا التقت بشرتاهما. وقال ابن تيمية: ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن إرضاع الكبير يحرم، واحتجوا بقول أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي. فقالت عائشة: أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ مع أن عائشة روت حديث الرضاعة من المجاعة، لكنها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية. فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلا ما كان قبل الفطام، وهذا هو إرضاع عامة الناس. وأما الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم، وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها، وهذا قول متوجه.