الحديث رقم 189
نص الحلقة
في باب عشرة النساء، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني رأيت الجنة فتناولت عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأُريت النار فلم أرَ منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن. قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط. العشير هو الزوج، وقيل: أراد به كل من يعاشرها من زوج أو غيره. وقوله: رأيت أكثر أهلها النساء، استشكل مع حديث أبي هريرة أن أدنى أهل الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا، ومقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة، وأجيب بحمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهن من النار. قال النووي: فيه دليل على أن بعض الناس اليوم معذب في جهنم، وفيه التحذير من جحود الإحسان، ووجوب شكر المنعم. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر. يفرك أي يبغض. قال القاضي عياض: هذا ليس بنهي، هو خبر، أي لا يقع منه بغض تام. قال النووي: الصواب أنه نهي، أي ينبغي أن لا يبغضها؛ لأنه إن وجد فيها خلقًا يكرهه وجد فيها خلقًا مرضيًا. وهذا يتعين لوجهين: أحدهما أن المعروفة في الروايات لا يفرق بإسكان الكاف لا برفعها، فهو نهي. والثاني أنه قد وقع خلاف، فبعض الناس يبغض زوجته بغضًا شديدًا، ولو كان خبرًا لم يقع خلاف. وأخرج الشيخان عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر النساء فوعظ فيهن، ثم قال: يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، ولعله يضاجعها من آخر يومه. وللبخاري: لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم. وفي أخرى له قال: بما يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل أو العبد ثم لعله يعانقها. بوب عليه البخاري بقوله: باب ما يكره من ضرب النساء. قال ابن حجر: وفي الحديث جواز تأديب الرقيق بالضرب الشديد، والإيماء إلى جواز ضرب النساء دون ذلك. وفي سياقه استبعاد وقوع الأمرين من العاقل، وأنه إن كان لا بد فليكن التأديب بالضرب اليسير، فلا يفرط في الضرب ولا يفرط في التأديب. وأخرج الشافعي وأحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن رحمهم الله جميعًا بسند صحيح عن لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، إن لي امرأة وإن في لسانها شيئًا، يعني البذاء، وفي رواية: فذكر من طول لسانها وبذائها، أي فحشها في القول. قال: طلقها إذن. قلت: إن لها صحبة، وإن لي منها ولدًا. قال: فعظها. فَأَيُّكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَفْعَلُ، وَلَا تَضْرِبْ ضَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَضَرْبِكَ أَمَتَكَ. قال الخطابي: ليس فيه منع ضربهن عند الحاجة، فقد أباحه الله في قوله: وَاضْرِبُوهُنَّ، وَإِنَّمَا فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَبْرِيحِ الضَّرْبِ، كَمَا يُضْرَبُ الْمَمَالِيكُ. وَتَمْثِيلُهُ بِضَرْبِ الْمَمَالِيكِ لَا يُبِيحُهُ، بَلْ هُوَ ذَمٌّ لَهُ، وَقَدْ نَهَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ضَرْبِ الْمَمَالِيكِ إِلَّا فِي الْحُدُودِ، وَأَمَرَنَا بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يُوَافِقْكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللهِ. فَأَمَّا ضَرْبُ الدَّوَابِّ فَمُبَاحٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَأَدَّبُ بِالْكَلَامِ وَلَا تَعْقِلُ مَعَانِيَ الْخِطَابِ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا فِي الْمَبِيتِ. وَفِي أُخْرَى: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ نِسَائِنَا وَمَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: تَأْتِي حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ، وَأَطْعِمْهَا إِذَا طَعِمْتَ وَاكْسُهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تُقَبِّحِ الْوَجْهَ وَلَا تَضْرِبْ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَا تُقَبِّحْ أَنْ تَقُولَ: قَبَّحَكِ اللهُ. قَوْلُهُ: لَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ أَوِ الْمَبِيتِ، أَصَحُّ مِنْهُ مَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاجَرَ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ، وَظَلَّ فِي الْمَشْرُبَةِ شَهْرًا، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَلَا تَضْرِبْ، أَصَحُّ مِنْهُ قَوْلُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ. اضربوهن ضربًا غير مبرح، وقد نص عليه القرآن لمن تحتاجه من النساء. أما قوله: ولا تضرب الوجه، فقد صح من حديث أبي هريرة، وسيأتي إن شاء الله في باب تحريم الظلم. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته زاد في مسلم: وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره فله نصف أجره، وللبخاري فإنه يؤدى إليه شطره. قال الحافظ ابن حجر: زيادة مسلم وهو شاهد خرجت مخرج الغالب، وإلا فغيبته لا تقتضي الإباحة، بل يتأكد حينئذ المنع لثبوت النهي عن الدخول على المغيبة التي غاب زوجها. ورواية البخاري: يؤدى إليه شطره، أي نصفه، والمراد نصف الأجر كما جاء واضحًا في الروايات السابقة. وفي رواية أبي داود: فلها نصف أجره، وأغرب الخطابي فحمل قوله: يؤدى إليه شطره على المال المنفق. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن محيريز قال: دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري فجلست إليه فسألته عن العزل، فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيًا من سبي العرب، فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك فقال: ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة. وفي رواية قال في غزوة بني المصطلق: إنهم أصابوا سبايا فأرادوا أن يستمتعوا بهن ولا يحملن، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما عليكم ألا تفعلوا، فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة. وللبخاري قال: جاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، إنا نصيب سبيًا ونحب المال، كيف ترى في العزل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوَإنكم لتفعلون ذلك؟ لا عليكم ألا تفعلوا، فإنه ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي كائنة. ولمسلم قال: لا عليكم ألا تفعلوا، ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون. وفي أخرى له قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل، فقال: ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء. وفي أخرى له قال: ذُكر العزل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: وما ذاكم؟ قالوا: الرجل تكون له المرأة ترضع، فيصيب منها ويكره أن تحمل، والرجل تكون له الأمة فيصيب منها ويكره أن تحمل منه. قال: فلا عليكم ألا تفعلوا ذاكم، فإنما هو القدر. قال ابن عون فحدثت به الحسن، فقال: والله لكأن هذا زجر. قوله: اشتدت من العزبة، أي فقد الأزواج، ومنه العزب الذي لا زوج له. والعزل: قذف الماء عند الجماع خارج الفرج.