الحديث رقم 191
نص الحلقة
في كتاب النكاح، باب الإيلاء، أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أصبحنا يوماً ونساء النبي صلى الله عليه وسلم يبكين عند كل امرأة منهن أهلها، فخرجت إلى المسجد فإذا هو ملآن من الناس، فجاء عمر بن الخطاب فصعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غرفة له فسلم، فلم يجبه أحد، ثم سلم فلم يجبه أحد، فناداه فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أطلقت نساءك؟ قال: لا، ولكن آليت منهن شهراً، فمكث تسعاً وعشرين ثم دخل على نسائه. قوله: آليت، أي حلفت، ومعناه حلف لا يدخل عليهن شهراً، واتفقوا على أنه ليس المراد بإيلائه منهن الإيلاء الذي في عرف الفقهاء، فالذي في عرف الفقهاء مختص بالحلف على الامتناع من وطء الزوجة، وسيأتي إن شاء الله. واختلف في سبب إيلائه صلى الله عليه وسلم، والذي في الصحيحين أنه العسل، وأنه اعتزلهن من شدة غضبه عليهن، كما مضى في كتاب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه شهراً، فكانت انفكت قدمه، فجلس في علية له، فجاء عمر فقال: أطلقت نساءك؟ قال: لا، ولكن آليت منهن شهراً، فمكث تسعاً وعشرين ثم نزل، فدخل على سائر نسائه، فقالوا: يا رسول الله، آليت شهراً؟ قال: إن الشهر يكون تسعاً وعشرين. وأخرج البخاري ومسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف لا يدخل على بعض أهله شهراً. فلما مضت تسعة وعشرون يوماً غدا عليهم أو راح، فقيل له: يا نبي الله، حلفت ألا تدخل عليهن شهراً، فقال: إن الشهر يكون تسعاً وعشرين. وأخرج مسلم عن ابن شهاب الزهري قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم ألا يدخل على أزواجه شهراً. قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: لما مضى تسع وعشرون ليلة أعدهن، دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: بدأ بي، فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت أنك لا تدخل علينا شهراً، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن. قال: إن الشهر تسع وعشرون. قال ابن حجر: فيه تذكير الحالف بيمينه إذا ظهر نسيانه لها، وفيه أن من غاب عن أزواجه ثم حضر يبدأ بمن شاء منهن، ولا يلزمه أن يبدأ من حيث بلغ، ولا أن يقرع، كذا قيل، ويحتمل أنه بدأ بعائشة لكونه وافق يومها. وأخرج البخاري عن نافع أن ابن عمر قال: إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق، يعني المولي. قال: ويذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أن ابن عمر كان يقول في الإيلاء الذي سمى الله عز وجل: لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم الطلاق، كما أمر الله تعالى. الإيلاء هو أن يحلف الزوج على ألا يطأ زوجته، وهو المذكور في قول الله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر. قال النووي: قال القاضي عياض: واختلفوا في تقدير مدته. فقال معظم الصحابة والتابعين ومن بعدهم: المُؤْلي من حلف على أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة فليس بمؤْلٍ. وقال الكوفيون: هو من حلف على أربعة أشهر فأكثر. وعن ابن عمر أن كل من وقّت في يمينه وقتًا وإن طالت مدته فليس بمؤْلٍ، وإنما المؤْلي من حلف على الأبد. قال: ولا خلاف بينهم أنه لا يقع عليه طلاق قبل أربعة أشهر، ولا خلاف أنه لو جامع قبل انقضاء المدة سقط الإيلاء، فأما إذا لم يجامع حتى انقضت أربعة أشهر، فقال الكوفيون يقع الطلاق، وقال علماء الحجاز ومصر وفقهاء وأصحاب الحديث وأهل الظاهر كلهم: يقال للزوج إما أن تجامع وإما أن تطلق، فإن امتنع طلق القاضي عليه. باب الخلع. أخرج البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: ما أعتب على ثابت في خُلُقٍ ولا دين، ولكنني أكره الكفر في الإسلام. قال أبو عبد الله البخاري: تعني تبغضه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة. قولها: أكره الكفر في الإسلام، أي أكره أن أقع فيما يقتضي الكفر. وقال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه من نشوز وفرك وغيره، مما يتوقع من المبغضة لزوجها. وفيه أن الخلع يشرع إذا كرهت المرأة عشرة الزوج، واستدل به على أن الفدية لا تكون إلا بما أعطى الرجل المرأة عينًا أو بقدره ولا يزيد عليه. وهو قول أبي حنيفة وأحمد وغيرهم، وقال مالك لم أزل أسمع أن الفدية تجوز بالصداق وبأكثر منه، لقوله تعالى: فلا جناح عليهما فيما افتدت به، وسماه افتداءً لأنها تفتدي نفسها من ملك زوجها وأسره لها، كما يفتدي الأسير نفسه. وقال سعيد بن المسيب: ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها، ليدع لها شيئًا. وأخرج ابن ماجه والترمذي والنسائي والطبراني في الكبير بسند حسن عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم، أو أمرت أن تعتد بحيضة. وفي رواية قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان فسألته: ماذا علي من العدة؟ قال: لا عدة عليك إلا أن تكوني حديثة عهد به، فتمكثي حتى تحيضي حيضة. قال: وإني متبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه. الاختلاع أن تبذل الزوجة لزوجها عوضًا ليفارقها. قال ابن تيمية رحمه الله: مذهب فقهاء الحديث كالإمام أحمد وإسحاق وابن خزيمة وغيرهم أن الخلع فسخ للنكاح، وفرقة بائنة بين الزوجين، وليس بطلاق، ولا يحسب من الثلاث. وهذا هو الثابت عن الصحابة، وكذلك ثبت عن عثمان بن عفان وابن عباس وغيرهما أن المختلعة ليس عليها أن تعتد بثلاثة قروء، وإنما عليها أن تعتد بحيضة. وأكثر أهل العلم يقولون: عدة المختلعة عدة المطلقة، والمغالية نسبة إلى بني مغال قبيلة من الأنصار. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن بريرة عتقت، وكان زوجها عبداً، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها، ولو كان حراً لم يخيرها. وأخرج البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان زوج بريرة عبداً أسود، يقال له مغيث، عبداً لبني فلان، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة، ودموعه تسيل على لحيته يبكي عليها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيث؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعتيه، فإنه أبو ولدك. قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: إنما أشفع. قالت: فلا حاجة لي فيه. رضي الله عنهما.