الحديث رقم 196
نص الحلقة
لم نزل في كتاب النكاح باب نكاح المتعة والشغار. أخرج البخاري ومسلم عن محمد بن الحنفية أن عليا قال لابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. ولمسلم عن علي أنه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء، فقال: مهلًا يا ابن عباس، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية. وأخرج مسلم عن عروة بن الزبير أن أخاه عبد الله قام بمكة، فقال: إن ناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة، يعرض برجل، فناداه، فقال: إنك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين، يريد به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك، فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك. قال ابن أبي عمرة: كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها، كالميتة والدم ولحم الخنزير، ثم أحكم الله الدين ونهى عنها. قوله: يعرض برجل، قال النووي: يعرض بابن عباس، والجلف هو الجافي، والجافي غليظ الطبع، قليل الفهم والعلم والأدب، لبعده عن أهل ذلك. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار، وهو أن يزوج الرجل ابنته أو أخته الرجل على أن يزوجه ابنه أو أخته، وليس بينهما صداق. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا شغار في الإسلام. كتاب العتق والرقيق. أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل أعتق امرأً مسلماً، استنقذ الله بكل عضو منه عضواً منه من النار. وفي رواية: من أعتق رقبةً مسلمةً أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار حتى فرجه بفرجه. وأخرج الشيخان عن الشعبي قال: حدثني أبو بردة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لهم أجران، وفي رواية: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران. قال الشعبي: أعطيناكها بغير شيء، وقد كان يركب فيما دونها إلى المدينة. وأخرج الشيخان عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها. سيأتي الحديث بطوله إن شاء الله في باب الصبر وكف الأذى. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أعتق شقصاً من مملوك فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مال قُوِّم المملوك قيمة عدل، ثم استسعي غير مشقوق عليه. وفي رواية: ثم يُستسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه. نقل ابن حجر عن غير واحد أن ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول قتادة. والشقص هو النصيب قليلاً كان أو كثيراً، وقوله استسعيه أي ألزم العبد بالعمل ليكسب قيمة نصيب الشريك الآخر فيفك بقية رقبته من الرق. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أعتق عبداً بينه وبين آخر، قُوِّم عليه في ماله قيمة عدل، لا وكس ولا شطط، ثم عتق عليه في ماله إن كان موسراً. وفي رواية: من أعتق عبداً بين اثنين، فإن كان موسراً قُوِّم عليه ثم يعتق. وفي أخرى: من أعتق شركاً له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منهما عتق. وفي أخرى عن ابن عمر أنه كان يفتي في العبد أو الأمة يكون بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه منه، يقول: قد وجب عليه عتقه كله، يُقوَّم عليه من ماله قيمة العدل، ويدفع إلى الشركاء أنصباءهم ويخلى سبيل المعتق. يخبر بذلك ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. قوله لا وكس ولا شطط، أي لا نقصان ولا مجاوزة الحد. والموسر هو الذي له مال، والشرك القسم، وجمعه أشراك، كقسم وأقسام. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً من أصحابه أعتق غلاماً له عن دبر، أي يعتق بعد ما يموت. لم يكن له مال غيره، فباعه بثمانمائة درهم، ثم أرسل بثمنه إليه. ولمسلم قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دبر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألك مال غيره؟ قال: لا. فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها إليه، ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك. قال النووي: وفي هذا الحديث نظر الإمام في مصالح رعيته، وإبطال ما يضرهم من تصرفهم، وفيه جواز البيع فيمن يدبر. وأخرج مالك والبيهقي في السنن والبغوي بسند صحيح عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها، وهو يستمتع بها، فإذا مات فهي حرة. قال الباجي في شرح الموطأ: يريد أنه لا يصلح إخراجها من ملكه، لأن ما ذكر هو معظم الوجوه التي يخرج بها الرقيق من ملك السيد، ولا سبيل عليها لغرمائه في إفلاس، فإذا لم يصح إخراجها من ملكه ببيع ولا غيره لم يكن له إلا إبقاؤها على ملكه أو تعجيل عتقها، وعلى هذا فقهاء الأمصار. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح عن جابر بن عبد الله. رضي الله عنهما قال: إنا كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا، والنبي صلى الله عليه وسلم فينا حي، لا يرى بذلك بأسًا. وفي رواية قال: بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا. قال في المرقاة: قال التوربشتي: يحتمل أن النسخ لم يبلغ العموم في عهد الرسالة، ويحتمل أن بيعهم في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل النسخ، وهذا أولى التأويلين. وأما بيعهم في خلافة أبي بكر فلعل ذلك كان في قضية فرد، فلم يعلم به أبو بكر ولا من كان عنده علم بذلك. فحسب جابر أن الناس كانوا على تجويزه، فحدث ما تقرر عنده في أول الأمر، فلما اشتهر نسخه في زمان عمر عاد إلى قول الجماعة، يدل عليه قوله: فلما كان عمر نهانا عنه فانتهينا. وقوله هذا من أقوى الدلائل على بطلان بيع أمهات الأولاد، وذلك أن الصحابة لو لم يعلموا أن الحق مع عمر لم يتابعوه عليه، ولم يسكتوا عنه أيضًا، ولو علموا أنه يقول ذلك عن رأي واجتهاد لجوزوا خلافه، لا سيما الفقهاء منهم، وإن وافقه بعضهم خالفه آخرون. وقال الشمني: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر ببيعهم إياها، ولا يكون حجة إلا إذا علم به وأقرهم عليه، ويحتمل أن يكون ذلك أول الأمر ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، ولم يعلم به أبو بكر لقصر مدة خلافته واشتغاله بأمور المسلمين، ثم نهى عنه عمر لما بلغه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه. كما قيل في حديث جابر في المتعة الذي رواه مسلم: كنا نتمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهانا عمر.