الحديث رقم 194
نص الحلقة
لم نزل في باب العدة والإحداد من كتاب النكاح. أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن بسند حسن عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب ولا تكتحل. المعصفر المصبوغ بالعصفر، وهو الكركم أو الزعفران، والممشقة المصبوغة بالمشق، ويقال المشق، وهو طين أحمر يصبغ به. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: لا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول. قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها. ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. قال مالك: تفتض، أي تمسح به جلدها. قال النووي: هكذا هو في جميع النسخ، فتفتض بالفاء والضاد، أي تكسر به عدتها. وقال: اختلف العلماء في اكتحال المعتدة، فقيل يجوز إذا خافت على عينها بكحل لا طيب فيه، وجوزه بعضهم عند الحاجة وإن كان فيه طيب، وحملوا النهي هنا على التنزيه. وقيل يجوز ليلاً عند الحاجة بما لا طيب فيه، جمعاً بين هذا الحديث وما جاء في الموطأ وغيره من حديث أم سلمة: اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار، انتهى ملخصاً. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: طلقت خالتي، فأرادت أن تجد نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: بلى، فجدي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفاً. جداد النخل وجداده بالفتح والكسر هو صرام النخل، أي قطع ثمرتها. قال النووي: هذا الحديث دليل لخروج المعتدة البائن للحاجة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وآخرين، جواز خروجها في النهار للحاجة، وكذلك في عدة الوفاة. ووافقهم أبو حنيفة في عدة الوفاة، وفيه استحباب الصدقة من التمر عند جداده، والهدية، واستحباب التعريض لصاحب التمر بفعل ذلك، وتذكير المعروف والبر. وأخرج مالك والشافعي وأحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والنسائي والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن والبغوي. بسند حسن عن زينب بنت كعب بن عجرة، وكانت تحت أبي سعيد الخدري، أن الفريعة بنت مالك، وهي أخت أبي سعيد الخدري، أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قالت: فانصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أمر بي فنوديت، فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة. قال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً. قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه وقضى به. وفي رواية أن زوجها تكارى علوجاً ليعمل له، أي استأجرهم، فقتلوه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: إني لست في مسكن له، ولا يجري عليَّ منه رزق، أفأنتقل إلى أهلي ويتاماي وأقوم عليهم؟ قال: افعلي. ثم قال: كيف قلت؟ فأعادت عليه قولها، فقال: اعتدي حيث بلغك الخبر. وفي أخرى أن زوجها خرج في طلب أعلاج له، وكانت في دار قاصية، فجاءت ومعها أخواها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فرخص لها، حتى إذا رجعت دعاها فقال: اجلسي في بيتك. حتى يبلغ الكتاب أجله. قوله: أبقوا أي هربوا، والقدوم موضع على ستة أميال من المدينة، والكروة والكروة والكِراء أجر مستأجر، وكاراه واستكراه بمعنى واحد، وتكارها أي استأجره، والعلج الرجل الشديد الغليظ، والجمع أعلاج وعلوج. وقوله: حتى يبلغ الكتاب أجله أي حتى تنتهي العدة، وسميت العدة كتابًا لأن الله كتبها أي فرضها، كقوله: كُتب عليكم الصيام. قال البغوي في شرح السنة: اختلفوا في السكنى للمعتدة عن الوفاة، وللشافعي فيه قولان، فعلى الأصح لها السكن، وبه قال عمر وعثمان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود، وقالوا: إذنه للفريعة أولًا صار منسوخًا بقوله: امكثي في بيتك إلى آخره، والقول الثاني أنه لا سكنى لها بل تعتد حيث شاءت، وهو قول علي وابن عباس وعائشة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للفريعة أن ترجع إلى أهلها، وقوله لها آخرًا: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله أمر استحباب. وأخرج مسلم عن سبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة رضي الله عنه، وكان ممن شهد بدرًا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، فقال لها: ما لي أراك متجملة، لعلك ترجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي. قال ابن شهاب: ولا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر. قوله: لم تنشب، أي لم تلبث، وتعلت من نفاسها، ويروى تعالت، أي ارتفعت وطهرت. وأبو السنابل بن بعكك، قيل اسمه عمرو، قرشي من بني عبد الدار، وقيل في نسبه غير هذا، والله أعلم.