الحديث رقم 185
نص الحلقة
باب إعلان النكاح والخطبة والشروط. أخرج البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج. وأخرج البخاري عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بني عليَّ، فدخل بيتي وجلس على فراشي، فجعل جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد. قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعي هذا، وقولي بالذي كنت تقولين. قولها: بني عليَّ، يقال: بنى الرجل بزوجته وبنى عليها، أي دخل بها، كناية عن الزفاف. وأخرج البخاري عن عائشة قالت: زففنا امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، أما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو. سيأتي الحديث إن شاء الله في كتاب الآداب، باب ما جاء في الضحك والمزاح واللهو والطرب. قال ابن حجر: والإذن باللهو خاص بالنساء، فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك، وفي رواية: أو يأذن له الخاطب. وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه. ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ صحفتها، ولتنكح، فإنما لها ما كتب الله لها. وفي أخرى: لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، فإنما لها ما قُدِّر لها. وفي أخرى: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُنكح المرأة على عمتها أو خالتها، أو أن تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها، فإن الله عز وجل رازقها. قوله لتكتفئ في رواية لتكفأ، وفي أخرى لتستكفئ، وكلها صحيحة. وقوله ولتنكح بلام الأمر وجزم الفعل، أي لتنكح هذه المرأة من خطبها. قال النووي رحمه الله: فيه تحريم الخطبة على خطبة أخيه، وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صرح للخاطب بالإجابة ولم يأذن ولم يترك. والجمهور على أنه لو خطب على خطبته وتزوج والحالة هذه عصى وصح النكاح ولم يفسخ. أما إذا عُرض له بالإجابة ولم يصرح، ففي تحريم الخطبة على خطبته قولان، أصحهما لا يحرم. وقال جمهور العلماء: تحرم الخطبة على خطبة الكافر أيضًا. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، ودخل بي في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني؟ قالت: وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال. وأخرج أحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن رحمهم الله بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفأ الإنسان إذا تزوج قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير. رفأ الإنسان أي هنأه بالزواج، من قولهم للمتزوج بالرفاء والبنين، وبدله بما ذكر؛ لأن فيه ترفيتهم تنفيرًا من البنات. والرفاء: الالتئام والاتفاق، يقال: رفأ الثوب أي لأم خرقه. وأخرج البخاري عن عائشة أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها فلا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد. فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها. فتقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فتلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع الرجل. ونكاح الرابع يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن الرايات، وتكون على من، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك. فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم، قولها طمثها أي حيضها، والقافة الذين يعرفون الشبه بين الناس فيثبتون النسب بالشبه، وقوله التاط به أي التحق به والتزق به. باب القسم. أخرج مسلم رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع، فكن يجتمعن في كل ليلة في بيت التي يأتيها، فكان في بيت عائشة، فجاءت زينب، فمد يده إليها، فقالت: هذه زينب، فكف النبي صلى الله عليه وسلم يده، فتقاولتا حتى استخبتا، وأقيمت الصلاة، فمر أبو بكر على ذلك فسمع أصواتهما، فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة واحث في أفواههن التراب، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت عائشة: الآن يقضي النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أتاها أبو بكر فقال لها قولًا شديدًا، وقال: أتصنعين هذا؟ قوله: استخبت، قال النووي: هكذا هو في معظم الأصول، وكذا نقله القاضي عن رواية الجمهور، من السخب، وهو اختلاط الأصوات وارتفاعها، ويقال صخب بالصاد. قال: وفيه أنه لا يأتي غير صاحبة النوبة في بيتها في الليل، بل ذلك حرام عندنا، يعني الشافعية، إلا لضرورة بأن حضرها الموت أو نحوه من الضرورات. وأما مد يده إلى زينب، فقيل إنه لم يكن عمدًا، بل ظنها عائشة صاحبة النوبة؛ لأنه كان في الليل وليس في البيوت مصابيح. وقيل: كان مثل هذا برضاهن، وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق وملاطفة الجميع، وفيه إشارة المفضول على صاحبه الفاضل بمصلحته. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عروة قال: كانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة: وكنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ أما تستحي المرأة أن تهب نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك، قلت: يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. وفي رواية قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأذننا. إذا كان في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية، قال عروة فقلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له، إن كان ذلك إلي، فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدًا. وفي رواية: لم أوثر على نفسي أحدًا. قوله: ترجي من تشاء وتؤخرها. قال القرطبي: اختلف العلماء في تأويل هذه الآية، وأصح ما قيل فيها التوسعة على النبي صلى الله عليه وسلم في ترك القسم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى، وهو الذي ثبت معناه في الصحيح عن عائشة، وذكر حديثنا هذا. قال ابن العربي: هذا الذي ثبت في الصحيح هو الذي ينبغي أن يعول عليه، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيرًا في أزواجه، إن شاء أن يقسم قسم، وإن شاء أن يترك القسم ترك، فخص النبي صلى الله عليه وسلم بأن جعل الأمر إليه، لكنه كان يقسم من قبل نفسه دون أن يفرض ذلك عليه، تطييبًا لنفوسهن، وصونًا لهن عن الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية قالت عائشة: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها، أي جلدها، من سودة بنت زمعة. من امرأة فيها حدة، فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة، وكانت أول امرأة تزوجها بعدي. قالت: يا رسول الله، قد جعلت يومي منك لعائشة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين، يومها ويوم سودة. قولها فيها حدة لم ترد عيبها بذلك، بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة، وهي الحدة. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأقرع بيننا فطارت القرعة لحفصة أو عائشة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الليل سار معي يتحدث، فقالت لي حفصة: ألا تركبين بعيري وأركب بعيرك، تنظرين وأنظر؟ قلت: بلى. ففعلنا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة فغارت، فلما نزلوا كانت تجعل رجلها بين الإذخر، وتقول: يا رب سلط علي عقرباً أو حية تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً. وأخرج مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثاً، وقال: ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي. قال النووي: فيه أن حق الزفاف ثابت للمزفوفة، وتقدم به على غيرها، فإن كانت بكراً كان لها سبع ليال بأيامها بلا قضاء، وإن كانت ثيباً كان لها الخيار إن شاءت سبعاً. ويقضي السبع لباقي النساء، وإن شاء الثلاثًا ولا يقضي. هذا مذهب الجمهور، وهو الذي ثبت في هذه الأحاديث الصحيحة. وهل هو حق للزوج أو للزوجة؟ قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم. قال خالد الحذاء: ولو شئت قلت رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.