الحديث رقم 187
نص الحلقة
في باب عشرة النساء، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تأتيني صواحبي يلعبن معي، فكنا ينقمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختبئن، وكان يسربهن إليَّ فيلعبن معي. قال ابن حجر: استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض، ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن. قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وإليه مال ابن بطال، ورجحه الداودي. وقال البيهقي بعد تخريجه: ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيحمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزي. وقال المنذري: إن كانت اللعب كالصورة فهو قبل التحريم، وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة، وبهذا جزم الحليمي، فقال: إن كانت صورة كالوثن لم يجز، وإلا جاز. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطرق أهله ليلاً، كان لا يدخل إلا غدوة أو عشية. لا يطرق أهله ليلاً، أي لا يأتيهم في الليل، وكل آتٍ بالليل طارق. وأخرج الشيخان عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلاً. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: إذا دخلت ليلًا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، وعليك بالكيس الكيس. المغيبة: الغائب زوجها، والشعثة: ثائرة الشعر. وفي أخرى قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قطوف، أي سيئ المشي ضيق الخطوة، فلحقني راكب من خلفي فنخس بعيري بعنزة كانت معه، فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفت فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما يعجلك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بعرس. قال: فلما ذهبنا لندخل قال: أمهلوا حتى ندخل ليلًا، أي عشاء، كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة. زاد مسلم قال: فإذا قدمت فالكيس الكيس. الاستحداد هو حلق العانة بالحديدة، وقوله الكيس قال عياض: فسر البخاري وغيره الكيس بطلب الولد والنسل، وهو صحيح. قال صاحب الأفعال: كاس الرجل في عمله أي حذق، وكاس ولد ولدًا كيسًا، وقال الكسائي: كاس الرجل أي ولد له ولد كيس. قال الحافظ ابن حجر: وأصل الكيس العقل، ومنه حديث: الكيس من دان نفسه، لكنه بمجرده ليس المراد هنا. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه. إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها. وفي رواية قال: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح. وفي أخرى قال: إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى تصبح. وفي أخرى: حتى ترجع. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن، رحمهم الله جميعًا، بسند حسن عن طلق بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته، وفي رواية: فلتجبه، وإن كانت على التنور. وأخرج الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول. فنزلت: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم. وأخرج البخاري عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان، فقال: أتدري فيما أُنزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في كذا وكذا، ثم مضى. وفي رواية أن ابن عمر قال: فأتوا حرثكم أنى شئتم، قال الحميدي: يعني في الفرج. قال الحافظ في الفتح: هكذا وقع في جميع النسخ، لم يذكر ما بعد الظرف وهو المجرور. قال: وقول الحميدي بحسب فهمه، وسلفه في ذلك البرقاني. وقد قال أبو بكر بن العربي في سراج المريدين: أورد البخاري هذا الحديث في التفسير، فقال: يأتيها فيه، وترك بياضًا، والمسألة مشهورة، وبيَّن أن حديث ابن عمر في إتيان المرأة في دبرها. انتهى كلام ابن حجر. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن ذلك، فأجاب بقوله: وطء المرأة في دبرها حرام بالكتاب والسنة، وهو قول جماهير السلف والخلف، بل هو اللوطية الصغرى. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن. وقد قال تعالى: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، والحرث هو موضع الولد، فإن الحرث محل غرس والزرع. وكانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها جاء الولد أحول، فأنزل الله هذه الآية، وأباح للرجل أن يأتي امرأته من جميع جهاتها، لكن في الفرج خاصة. قال: ومن وطئها في الدبر وطاوعته عُزِّرا جميعًا، فإن لم ينتهيا وإلا فُرِّق بينهما، كما يُفرَّق بين الرجل الفاجر ومن يفجر به، والله أعلم. وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن ابنة الجون لما أُدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال: لقد عذتِ بعظيم، الحقي بأهلك. ابنة الجون هي أميمة بنت النعمان بن شراحيل بن الجون الكندي. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج الجونية، واختلفوا في سبب فراقه. وأخرج البخاري عن أبي أسيد الساعدي. قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوط، حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجلسوا هاهنا، ودخل، وقد أتي بالجونية، فأنزلت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: هبي نفسك لي. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك. قال: قد عذت بمعاذ. ثم خرج علينا، وقال: يا أبا أسيد اكسها رازقيين وألحقها بأهلها. وفي رواية: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أُدخلت عليه بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين. قولها: هل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ السوقة من الناس الرعية، ومن لم يكن ذا سلطان، والرازقية ثياب من كتان أبيض طوال.