الحديث رقم 343
نص الحلقة
أخرج مسلم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: جاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وأنا عنده، فقالوا: يا أبا محمد، إنا والله ما نقدر على شيء، لا نفقة ولا دابة ولا متاع. فقال لهم: ما شئتم، إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسر الله لكم، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وإن شئتم صبرتم، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا. قالوا: فإنا نصبر، لا نسأل شيئا. قال: وسأله رجل، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادما. قال: فأنت من الملوك. الحبلي بضم الحاء وضم الباء الموحدة، وباللام المخففة، منسوب إلى حبل بن كليب بن عوف، واسمه عبد الله بن يزيد. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، منها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. أخرجه البخاري في باب نوم الرجال في المسجد. والصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل، أعد لنزول الغرباء ممن لا مأوى له ولا أهل. وكانوا يكثرون ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر، وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في الحلية فزادوا على المئة، وقال ابن حجر: ربما بلغوا المئتين، وقال القاري في المرقاة: كانوا أربعمئة من المهاجرين. تهيؤوا لتعليم القرآن والخروج في الجهاد، وكان أبو هريرة ناظرهم ونقيبهم. وقد نزل في حقهم قول الله تعالى: للفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض، الآية. قوله: قد ربطوا، أي الأكسية، فحذف المفعول به للعلم به، ومحصل ذلك أنه لم يكن لأحد منهم ثوبان. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شِعبًا لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار. فقال أبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي، آوَوْه ونصروه، أو كلمة أخرى. قوله: لولا الهجرة، قال القرطبي رحمه الله: معناه لتسميت باسمكم وانتسبت إليكم، كما كانوا ينتسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وتربيتها سبقت فمنعت من ذلك، وهي أعلى وأشرف، فلا تتبدل بغيرها. ذكره ابن حجر وذكر تفسيرات أخرى. قوله: أو كلمة أخرى، أي نحو ما سبق. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها صبي لها. فكلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: والذي نفسي بيده، إنكم أحب الناس إلي، مرتين، وفي رواية ثلاث مرات. وفي أخرى قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مقبلين من عرس، فقام صلى الله عليه وسلم ممثلاً، فقال: اللهم أنتم من أحب الناس إلي، يعني الأنصار. قالها ثلاث مرات. ممثلاً يروى بكسر الثاء وفتحها، أي منتصباً قائماً. يقال: مثل الرجل ومثُل بفتح الثاء وضمها، يمثل مثولاً إذا انتصب قائماً، والماثل القائم. وأخرج البخاري ومسلم عن شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأنصار: لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله. زاد مسلم قال شعبة: قلت لعدي: سمعته من البراء؟ قال: إياي يحدث. وأخرج مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر. وأخرج الشيخان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار. هذه رواية البخاري، ولمسلم قال: آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار. وأخرج البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه. قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار. وللبخاري قالت الأنصار: إن لكل قوم أتباعًا، وإنا قد اتبعناك، فادع الله أن يجعل أتباعنا منا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل أتباعهم منهم. وفي أخرى له عن عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك يقول: حزنت على من أصيب من أهلي بالحرة، فكتب إلي زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار. وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار. فسأل أنسًا بعض من كان عنده عن زيد، فقال: هو الذي يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا الذي أوفى الله له بأذنه. قوله أوفى الله بأذنه، أي أظهر صدقه فيما سمعه وأخبر به، حين حلف أن ابن سلول ما قال: ليخرجن الأعز منها الأذل. قال النبي صلى الله عليه وسلم حينها لزيد: إن الله قد صدقك. وأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر للأنصار، ولذراري الأنصار، ولموالي الأنصار. وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا. فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة. فقالوا: سمعنا وأطعنا. قوله قالت الأنصار، أي حين هاجر المهاجرون إلى المدينة وتركوا أموالهم بمكة. وقولهم: اقسم النخيل، أي أصول نخيلنا ورقابها، فقال: لا، تكفون المؤونة، أي تكفوننا عمارة النخيل وسقيها وتلقيحها، ونشارككم في ثمارها. والمعنى: ادفعوا عنا، أي عن المهاجرين، مؤونة العمارة وما حصل من الثمار، وما حصل من الثمار نقسمه بينكم. فقالوا: سمعنا وأطعنا. القائل هم المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، امتثالًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.