الحديث رقم 374

كتاب المناقب والفضائل · المدة 8:30 · المقطع 32 من 35

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في فضل الأمكنة، أخرج مسلم عن يحنس مولى مصعب بن الزبير أنه كان جالسًا عند عبد الله بن عمر في الفتنة، فأتته مولاة له تسلم عليه، فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن، اشتد علينا الزمان. فقال لها عبد الله: اقعدي لكاع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة، يعني المدينة. يحنس بضم الياء المثناة التحتانية، وكسر النون وفتحها مشددة. قوله في الفتنة هي وقعة الحرة زمن يزيد، ويقال امرأة لكاع كغزال، ورجل لكع كعمر، ويطلق ذلك على اللئيم والعبد والغبي والصغير، وخاطبها بذلك ابن عمر إنكارًا عليها لإدلاله عليها، لكونها ممن ينتمي إليه وتتعلق به. قال النووي: في هذه الأحاديث فضل سكن المدينة، والصبر على شدائدها، وأن هذا الفضل باق إلى يوم القيامة، ومثلها مكة، فالمجاورة بهما جميعًا مستحبة، وقد جاور بهما خلائق لا يحصون من السلف والخلف ممن يقتدى بهم، إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في المحذورات. وأخرج الشيخان عن سفيان بن أبي زهير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. وتفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. يبسون من قولهم بسَّ، يبس، معناه يسوقون دوابهم، والبس سوق الإبل، تقول رعاتها: بس، بس عند السوق، وإرادة السرعة. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة، أو شهيدًا. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيأتي على الناس زمان يدعو الرجل قريبه وابن عمه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. والذي نفسي بيده لا يخرج منهم أحد رغبةً عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه. ألا وإن المدينة كالكير تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد. قوله تأكل القرى أي ينصر الله الإسلام بأهلها ويفتحون القرى فيغنمونها، أو تساق لهم ميراثها من القرى المفتتحة. وفيه كراهية تسميةها يثرب. وأخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه على الإسلام، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فقال: أقلني بيعتي، فأبى. ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها. قوله: ينصع طيبها يعني يصفو ويخلص ويتميز، والناصع الخالص من كل شيء، يقال: بياض ناصع وحق ناصع، أي واضح بين. وأخرج مسلم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها طيبة، يعني المدينة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة. وفي رواية عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تعالى سمى المدينة طابة. قوله: طابة وطيبة من الطيب، وهو الرائحة الحسنة، والطاب والطيب لغتان، وقيل من الطيب بتشديد الياء، وهو الطاهر لطهارتها، وقيل من طيب العيش بها. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال. وللبخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها. فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ الثَّقَفِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالُ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ. الرُّعْبُ الْمَنْفِيُّ هُنَا هُوَ الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ، فَلَا يَحْصُلُ لِأَحَدٍ فِيهَا رُعْبٌ بِسَبَبِ نُزُولِهِ قَرِيبًا مِنْهَا، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا سَيَأْتِي فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ يَنْزِلُ السَّبَخَةَ ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ، بَلْ ذَلِكَ بِصِدَاقِ أَنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا، حَرَسَهَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَسَائِرِ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. وَلِلْبُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ صَلَّى فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي وَبَاتَ بِهَا. قَالَ يَاقُوتُ الْحَمَوِيُّ: ذُو الْحُلَيْفَةِ قَرْيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ، وَمِنْهَا مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْمُعَرَّسُ مَوْضِعُ التَّعْرِيسِ، وَهُوَ النُّزُولُ لِاسْتِرَاحَةٍ لِغَيْرِ إِقَامَةٍ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ. وأخرج البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالعقيق يقول: أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة. وفي رواية: وقل: عمرة وحجة. العقيق كل وادٍ شقه السيل ووسعه، وقال ياقوت الحموي: العقيق الذي جاء فيه إنك بوادٍ مبارك هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة، وهو مهل أهل العراق من ذات عرق. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة. قال ياقوت الحموي: سيحان بفتح فسكون يمر بأذنة بين أنطاكية والروم ثم يصب في بحر الروم، وجيحان بفتح فسكون مخرجه من بلاد الروم ويمر بالمصيصة بالفتح ثم الكسر والتشديد، وقيل بتخفيف الصادين ثم يصب في بحر الشام. وقال النووي: هما نهران عظيمان جدا في بلاد الأرمن، أكبرهما جيحان، وهما باتفاق غير سيحون وجيحون اللذين وراء خراسان.