الحديث رقم 361
نص الحلقة
في كتاب الفضائل، أخرج البخاري عن عمرو بن تغلب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بمال أو سبي فقسمه، فأعطى رجالًا وترك رجالًا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله ثم أثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكنني أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب. قال عمرو: فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم. الهلع أشد الجزع، والهلوع الضجور، كذا فسره أبو عبيدة، والنعم بفتحتين الإبل، وحمرها أفضلها. وقد أخرجه البخاري في باب قول الله تعالى: إن الإنسان خُلِق هلوعًا. قال ابن بطال: مراده في هذا الباب إثبات خلق الله تعالى للإنسان بأخلاقه من الهلع والصبر والمنع والإعطاء، وقد استثنى الله المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون، وهذا يُفهم منه أن من ادعى لنفسه قدرة على نفع نفسه أو دفع الضر عنها فقد افترى، وليس بعالم ولا عابد. انتهى ملخصًا. وأخرج أحمد والترمذي في الشمائل والبزار وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب والبغوي والضياء رحمهم الله جميعًا بسند صحيح. عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان رجلاً دميماً، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه ولا يبصره الرجل، فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله، إذاً والله تجدني كاسداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكن عند الله لست بكاسد، أو قال: لكن عند الله أنت غال. قال في المرقاة: زاهر بن حرام، قال ابن حجر: أشجعي شهد بدراً. وقوله باديتنا أي ساكن باديتنا أو صاحبها، وفي بعض النسخ الشمائل بادينا من غير تاء، والبادي المقيم بالبادية، ومنه قوله تعالى: سواءً العاكف فيه والباد. ونحن حاضروه من الحضور، وهو الإقامة في المدن والقرى. قال الطيبي: معناه أنا نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته، ونحن نعد له ما يحتاج إليه من البلد. وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله تعالى: الحلم والأناة. اسم أشج عبد القيس المنذر بن عائذ، والحلم هو العقل، والأناة: التأني والتثبت في الأمور وترك العجلة. وأخرج الشيخان عن ابن عباس قال: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره، وقال: اللهم علمه الكتاب، وفي رواية: اللهم علمه الحكمة. وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الخلاء فوضعت له وضوءًا، فلما خرج قال: من وضع هذا؟ فأخبر، قال: اللهم فقهه في الدين. وأخرج البخاري عن أنس قال: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجا في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما، وفي رواية: فإذا نور بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله. وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده إذ جالت فرسه فقرأ، ثم جالت أخرى فقرأ، ثم جالت أيضًا، قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى، فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها. قال: فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي. إذ جالت فرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ ابن حضير. قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ ابن حضير. قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ ابن حضير. قال: فانصرفت، وكان يحيى قريبًا منها، فخشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج، عرجت في الجو حتى ما أراها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم. أخرج البخاري نحوه معلقًا عن أسيد بن حضير، والمربد كل مكان تحبس فيه الإبل أو يجفف فيه التمر، ويحيى هو ابن أسيد بن حضير. وأخرج أحمد والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبغوي رحمهم الله بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نمت فرأيتني في الجنة، فسمعت صوت قارئ يقرأ، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا حارثة بن النعمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك البر، كذلك البر، وكان أبر الناس بأمه. حارثة هو حارثة بن النعمان النجاري الأنصاري رضي الله عنه، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وكان من فضلاء الصحابة، وقوله كذلك البر أي مثله تلك الدرجة تنال بسبب البر. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة. قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك. فقال: أطلقوا ثمامة. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فقد أصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فقد أصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قيل له: أصبأت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.