الحديث رقم 372

كتاب المناقب والفضائل · المدة 8:39 · المقطع 30 من 35

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب فضل الأمكنة، أخرج أحمد والدارمي وابن ماجه والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم رحمهم الله بسند صحيح عن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا على راحلته بالحزورة في سوق مكة، وهو يقول: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت. الحزورة: الرابية الصغيرة، وهي موضع بمكة سميت بذلك لأنها كذلك. قال في لسان العرب: قال ابن الأثير: هو بوزن قسورة. وقال الشافعي: الناس يشددون الحزورة، والحديبية، وهما مخففتان. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة. هذا النهي إذا لم تكن حاجة، فإن كانت جاز، هذا مذهب الجمهور، وحجتهم دخول النبي صلى الله عليه وسلم عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب، ودخوله صلى الله عليه وسلم عام الفتح متأهبًا للقتال. نقله النووي عن القاضي عياض رحمهما الله. وقد بوب عليه مسلم بقوله: باب النهي عن حمل السلاح بمكة بلا حاجة. وأخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه، فلزقت قدمه بالركاب فنزعتها، وذلك بمنى، فبلغ الحجاج فجعل يعوده. فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك. فقال ابن عمر: أنت أصبتني. قال: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم، ولم يكن السلاح يدخل الحرم. وفي رواية عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده، فقال: كيف هو؟ قال: صالح. قال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله، يعني الحجاج. سنان الرمح: الحديدة المسننة التي في رأسه. وأخمص القدم: باطنها الذي لا يصيب الأرض عند المشي. والركاب للدابة هو ما يضع فيه الراكب قدمه. ولم يزل الألم بابن عمر من هذه الضربة حتى مات بسببها ودفن بمكة رضي الله عنه. قوله: في يوم لم يكن يحمل فيه، يعني يوم العيد. وبوّب عليه البخاري بقوله: باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم. وأخرج البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطّلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه. قال ابن حجر: قال المهلب وغيره: المراد بهؤلاء الثلاثة أنهم أبغض أهل المعاصي إلى الله، فهو كقوله: أكبر الكبائر، وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي. والملحد هو المائل عن الحق، وقوله: مطّلب أي متطلب، أدغمت التاء في الطاء وهو بالتنوين ونصب دم، وقيل بالإضافة، وقد تمسك به من قال... إن العزم المصمم يؤاخذ به، وتقدم الكلام في ذلك عند حديث: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، في باب الاستغفار والتوبة وسعة رحمة الله. وأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت: يا أبتِ كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله، والموت أدنى من شراك نعله. وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته، أي صوته، ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ وحولي إذخر وجليل، وهل أردن يوماً مياه مجنة، وهل يبدون لي شامة وطفيل. قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. ثم قال صلى الله عليه وسلم: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم صححها وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة. قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجري نجلاً، تعني ماءً آجناً. قوله: مصبح في أهله، أي مأتي صباحاً للسلام أو الطعام. يقال: صبح القوم، أي أتاهم صباحاً. والتصبيح: الغداء. يقال: قرب إليَّ تصبيحي. والجليل بالجيم هو الثمام، بضم الثاء، نبت معروف، ومجنة بفتح الميم وكسرها. وكسر الجيم وتشديد النون موضع بأسفل مكة على أميال، وكان يقام بها سوق مشهور، وشامة وطفيل جبلان بمكة، وطفيل بفتح الطاء، وبطحان وادٍ بالمدينة، وقولها نجلًا أي ماء يجري على وجه الأرض، وقيل هو الذي لا يزال فيه الماء، والآجن هو متغير الطعم واللون. وأخرج مسلم عن سهل بن حنيف قال: أهوى النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى المدينة، وقال: إنها حرم آمن. قال النووي: فيه دلالة لمذهب الجمهور في تحريم صيدها وشجرها. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين لابتيها حرام. وفي رواية قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها. قال: وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى. وللبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حُرِّم ما بين لابتي المدينة على لساني. قال: وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بني حارثة فقال: أراكم قد خرجتم من الحرم. ثم التفت فقال: بل أنتم فيه. اللابة الحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود، والمدينة بين لابتين شرقية وغربية، ولها لابتان أيضًا من الجانبين الآخرين إلا أنهما ترجعان إلى الأوليين لاتصالهما بهما. وقوله: ترتع، أي ترعى، وقيل: تسعى وتنبسط. فقولهما: إذا عرتها، أي ما أزعجدها. وبنو حارثة بطن من الأوس، وكانت دارهم في سند الحرة، أي في الجانب المرتفع منها غربي مقبرة شهداء أحد رضي الله عنهم. وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني حرمت ما بين لابتي المدينة كما حرم إبراهيم مكة. ثم قال الراوي: كان أبو سعيد يأخذ، أو قال: يجد أحدنا في يده الطير فيفكه من يده ثم يرسله. وأخرج الشيخان عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا. ولمسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثًا وذكره. الحدث والمحدث يراد بهما الظلم والظالم، وقيل المراد أعم من ذلك. وقوله: لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا، أي لا يقبل منه نافلة ولا فريضة. وقيل: لا يقبل توبة ولا فدية. قال ابن حجر: وفيه أن المحدث والمؤوي للمحدث في الإثم سواء.