الحديث رقم 71
نص الحلقة
باب سترة المصلي. أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء. وفي رواية: كان يركز الحربة قدامه يوم الفطر والنحر ثم يصلي. وسيأتي الحديث في باب صلاة العيدين. وأخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاة. قال النووي: يعني بالمصلى موضع السجود، وفيه أن السنة قرب المصلي من سترته. وأخرج البخاري ومسلم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها. وفي رواية: كان سلمة يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف. فقلت له: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند الأسطوانة. قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها. ولمسلم قال: كان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة. قال النووي: فيه أنه لا بأس بإدامة الصلاة في موضع واحد إذا كان فيه فضل، وقد نقل القاضي خلاف السلف في كراهة الإيطان لغير حاجة، والاتفاق عليه لحاجة كموضع فيه فضل، أو يحتاج إليه لتدريس أو إفتاء أو سماع الحديث أو نحو ذلك. انتهى مختصراً. قوله: كان بين المنبر والقبلة ممر شاة. المراد بالقبلة الجدار، وإنما أُخِّر المنبر عن الجدار لئلا ينقطع نظر أهل الصف الأول بعضهم عن بعض. وأخرج مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: كمؤخرة الرحل. الرحل هو الكور الذي يركب عليه، المؤخرة، ويقال آخرة الرحل، هي العود الذي في آخر الرحل، وهو نحو ثلثي ذراع. وفي هذه الأحاديث الندب لاتخاذ سترة، وبيان أقلها. أما الخط ففيه حديث ضعيف مضطرب، رواه أبو داود، وأخذ به أحمد وجمهور أصحاب الشافعي. قاله عياض والنووي. وأخرج مسلم عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض راحلته ويصلي إليها، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بعيره. وأخرج مسلم عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني. فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ، وَيَقِي مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْطَعُ هَؤُلَاءِ الصَّلَاةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ، وَفِي قَلْبِهِ مِنَ الْحِمَارِ وَالْمَرْأَةِ شَيْءٌ. وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْكَلْبَ لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ يُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَفِيهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَفِي الْحِمَارِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَيَأْتِيَانِ، وَيَأْتِي تَوْجِيهُ ابْنِ حَجَرٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِمُرُورِ شَيْءٍ. وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَقْصُ الصَّلَاةِ لَا إِبْطَالُهَا. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ السُّوَائِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ وَنَحْنُ بِالْبَطْحَاءِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ يَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي، فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَّزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، فَصَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ. ورأيت الناس والدواب يمرون بين يديه من وراء العنزة، وفي رواية: فركز عنزةً يصلي إليها، يمر من ورائها الكلب والمرأة والحمار، وفي أخرى: ثم ركزت له عنزة، فتقدم فصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة. قوله البطحاء هي بطحاء منى، وكان ذلك في حجة الوداع، والحلة إزار ورداء من جنس واحد، والعنزة مثل نصف الرمح أو أطول قليلاً، وفيها سنان مثل سنان الرمح. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة. وفي رواية أن عائشة رضي الله عنها ذُكر عندها ما يقطع الصلاة، فذُكر الكلب والحمار والمرأة، فقالت: لقد شبهتمونا بالحمير والكلاب، والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على السرير وأنا بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أخرى فأكره أن أسنحه فأنسل من قبل رجلي السرير حتى أنسل من لحافي، وفي أخرى: كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. ستأتي الرواية الأولى في باب صلاة الليل، وقولها أسنحه أي أمر بين يديه. والسانح ما مر بين يديك، ونقل ابن حجر أن حديث عائشة هذا محمول على خصوص النبي صلى الله عليه وسلم، أو خصوص الزوجة، أو خصوص المضطجع، أو عدم الرؤية لقولها: ليس في البيوت مصابيح، وأن حديث أبي ذر السابق مقدم عليه؛ لأنه تشريع عام وصريح غير محتمل، فلا يترك العمل بالعام الصريح لأجل الخاص المحتمل. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي الصف فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد. زاد في رواية: بمنى في حجة الوداع. وأخرج مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإنه معه القرين.