الحديث رقم 96
نص الحلقة
أخرج مسلم عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة. وأخرج مسلم عن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست. فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأقصروا الخطبة وأطيلوا الصلاة، وإن من البيان سحرًا. قوله: مئنة من فقهه، أي علامة على فقهه، والمراد بإطالة الصلاة ما يكون وفق السنة، لا أقصر ولا أطول، ليكون موافقًا لحديث جابر بن سمرة الآتي: كانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا، أي معتدلة متوسطة بلا تطويل ولا تقصير، ولا يقتضي هذا تساوي الصلاة والخطبة جمعًا بين الحديثين. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ. وفي رواية: كان يخطب الناس، يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله، وذكر نحوه. وفي أخرى قال: كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته، وذكر نحوه. قوله: من ترك ضياعًا، الضياع العيال، وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعًا، فسمي العيال بالمصدر، وإن كسرت الضاد كان جمع ضائع كجائع وجياع. قوله: فإليَّ وعليَّ، أي قضاء دينه ونفقة عياله عليَّ. وأخرج مسلم عن أمه شام بنت حارثة بن النعمان قالت: لقد كانت النورنا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدًا سنة أو سنة وبعض سنة، وما أخذت قاف والقرآن المجيد إلا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس. قال الطيبي نقلًا عن المظهر: المراد أول السورة لا جميعها. وقال ابن حجر: يقرأها أي كلها، وحملها على أول السورة صرف للنص عن ظاهره. قال في مرقاة المفاتيح: الحمل على كل السورة في كل خطبة مستبعد جدًا، بل الظاهر أنه كان يقرأ في كل جمعة بعضها فحُفظت الكل. وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان حين من الدهر. وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين. وأخرج مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين. وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس. وفي رواية قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائماً، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة، وفي أخرى: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً، قصداً أي وسطاً بين الطول والقصر، والقصد الاعتدال لا إفراط ولا تفريط، قال تعالى: واقصد في مشيك. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يقعد بينهما، وفي رواية: كان يخطب يوم الجمعة قائماً ثم يجلس ثم يقوم فيتم كما تفعلون اليوم. وأخرج البخاري ومسلم عن يعلى بن أمية رضي الله عنه. قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا. وفي رواية: من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا. قال سهيل: فإن عجل بك شيء فصل ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت. وأخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، ولمسلم: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، فإذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته. ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن الحارث البصري قال: خطبنا ابن عباس في يوم ذي ردغ، فأمر المؤذن لما بلغ حي على الصلاة قال: قل الصلاة في الرحال. فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم أنكروا، فقال: كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله من هو خير مني، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. إنها عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتجيئون فتدوسون في الطين إلى ركبكم. وفي رواية: أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير، وكان يوم جمعة: إذا قلت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة، قل صلوا في بيوتكم. فكأن الناس أنكروا، فقال: فعله من هو خير مني. إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض والزلل. الردغ جمع ردغة، وهي طين ووحل كثير، والدحض الزلق. وأخرج البخاري عن نافع قال: ذُكر لابن عمر أن سعيد بن زيد مريض، وكأن بدريًا، فركب إليه يوم الجمعة بعد أن تعالى النهار، واقتربت الجمعة، وترك الجمعة. والحديث في ترك الجمعة لعذر كما جاء في رواياته، أنه دعي له وهو يموت، وابن عمر يستجمر أي يتطيب للجمعة، فأتاه وترك الجمعة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي عبيد سعد بن عبيد قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة ثم خطب، فقال: يا أيها الناس، إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذننا له. العوالي جمع عالية، وهي ما كان من الحوائط والقرى من الجهة العليا للمدينة مما يلي نجدًا، وأدناها للمدينة ثلاثة أميال، وأبعدها ثمانية.