الحديث رقم 103
نص الحلقة
أخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع حتى يُرى بياض إبطيه. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء. ورواه أبو داود عنه ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستسقي هكذا، ومد يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه. قال ابن حجر رحمه الله: نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء. وقال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلًا ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل بطون كفيه إلى السماء. وروى أحمد أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل الأولى إذا استعاذ، والثانية إذا سأل. وأخرج أبو داود وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر. فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم. ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، وفي رواية البيهقي: لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين. ثم رفع يديه، فلم يترك الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنِّ ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله. العبارة في كل المصادر: لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، إلا في سنن البيهقي وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي، فالعبارة فيهما: لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي إسحاق السبيعي قال: خرج عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري، وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم، فاستسقوا. فقام زيد فاستسقى، فقام لهم على رجليه على غير منبر، فاستغفر ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ولم يؤذن ولم يقم. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، وطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر. فانقلعت، وفي رواية: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس. قال شريك بن عبد الله: فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. قوله دار القضاء هي دار عمر بن الخطاب رضي الله عنه. سميت بذلك لأنها بيعت في قضاء دينه بعد وفاته كما أوصى، وكان يقال لها دار قضاء دين عمر، ثم اختصروا فقالوا دار القضاء. والقزعة هي القطعة من الغيم، وقوله سبتًا أي أسبوعًا كما يقال جمعة. والآكام جمع أكمة، وهي الرابية المرتفعة، والضراب جمع ضرب، وهي صغار الجبال والتلال. وأخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن قريشًا لما استعصوا على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله عز وجل: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. قال: فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، استسق لمضر، وفي رواية: استغفر لمضر، فإنها قد هلكت. قال: لمضر؟ إنك لجريء. فاستسقى لهم فسقوا، فنزلت: إِنَّكُمْ عَائِدُونَ. فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله عز وجل: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ. قال: يعني يوم بدر. قوله: استغفر الله لمضر، هكذا وقع في جميع نسخ مسلم: استغفر الله لمضر، وفي البخاري: استسق الله لمضر. قال القاضي: قال بعضهم: استسقِ هو الصواب، اللائق بالحال؛ لأنهم كفار لا يُدعى لهم بالمغفرة. وقال النووي: كلاهما صحيح، فمعنى استسقِ: اطلب لهم المطر والسقيا، ومعنى استغفر: ادعُ لهم بالهداية التي يترتب عليها الاستغفار. والذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليستسقي لهم هو أبو سفيان، كما صرح به في الرواية الأخرى التي سبقت في باب التفسير وأسباب النزول. باب صلاة الاستسقاء. أخرج البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به. وفي رواية: ثم أرضني به. قال: ويسمي حاجته.