الحديث رقم 94
نص الحلقة
في باب سجود التلاوة وسجود الشكر، أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار. وأخرج البخاري عن مجاهد قال: قلت لابن عباس: أنسجد في صاد؟ فقرأ: ومن ذريته داود وسليمان حتى أتى فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ، فقال: نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أُمر أن يقتدي بهم. وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: ليست صاد من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. قوله عزائم السجود أي واجباتها. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي رافع الصائغ قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: إذا السماء انشقت فسجد، فقلت: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك. وفي رواية: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم والبيهقي في السنن والبغوي بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن بالليل. سجد وجهه للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته. قال في المرقاة: قال ابن الهمام، ويقول في السجدة ما يقول في سجدة الصلاة على الأصح. واستحب بعضهم: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا؛ لأنه تعالى أخبر عن أوليائه، وقال: يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. وأخرج مسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة توبة الله عليه، قال: فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجدا، وعلمت أن قد جاء فرج. وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا. سيأتي الحديث بطوله في كتاب الجهاد، باب المغازي والسير. وسلع جبل معروف بالمدينة يشرف على دار كعب بن مالك، والصارخ هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. باب صلاة الجمعة. أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم صلى معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام. وفي رواية: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام. ومن مس الحصى فقد لغى. قوله لغى: اللغو هو التكلم بما لا يجوز، وقيل: الميل عن الصواب، وقيل: لغى هنا بمعنى خاب، يقال: ألغيته أي خيبته. وأخرج البخاري عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب الله له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. وفي رواية: إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن أوس بن أبي أوس، وقيل أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام ولم يلغ، واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر عمل سنة، صيامها وقيامها. قوله: من غسل، روي بتخفيف السين وتشديدها: من غسل ومن غسل. قال النووي: المختار في غسل، اختاره البيهقي وغيره من المحققين أنه بالتخفيف، وأن معناه غسل رأسه، ويؤيده رواية أبي داود: ومن غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل. وروى أبو داود والبيهقي هذا التفسير عن مكحول وغيره. وقال القاري: قال بعض الأئمة: لم نسمع من الشريعة حديثًا صحيحًا مشتملًا على مثل هذا الثواب، أي فيتأكد العمل لينال الأمل. وأخرج البخاري عن عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا ذاهب إلى الجمعة، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار. وسيأتي الحديث في أول كتاب الجهاد. وأبو عبس هو عبد الرحمن بن جبير الأنصاري الحارثي، غلبت عليه كنيته، شهد بدرًا، ومات بالمدينة سنة أربع وثلاثين، ودفن بالبقيع وله سبعون سنة. قوله في سبيل الله، قال في المرقاة: هو في الحقيقة كل سبيل يطلب فيه رضاه. وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس. قوله حين تميل أي أول ما تزول. قال ابن حجر: يؤخذ منه أنه كان يبادر بها عقب دخول الوقت، وأن وقتها لا يدخل إلا بعد وقت الزوال. وأخرج البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به. وفي رواية: كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء، الفيء الظل. وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم تكون القائلة. وفي رواية قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي أخرى قال: كنا نفرح بيوم الجمعة. قال أبو حازم: قلت ولِمَ؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل إلى بضاعة. قال ابن سلمة: نخل بالمدينة، فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر عليه حبات من شعير، والله ما فيه شحم ولا ودك، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنسلم عليها فتقدمه إلينا، فنفرح بيوم الجمعة من أجله. القائلة والقيلولة والمقيل هي الاستراحة نصف النهار بنوم أو بلا نوم. وكانت عادتهم في القائلة أن تكون قبل الزوال، والغداء طعام الغداء، وهي أول النهار، وفيه أنهم كانوا يؤخرون ما اعتادوه من الطعام والمقيل تهيؤًا للجمعة وتبكيرًا لها. والسلق نوع من البقول معروف، وقوله تكركر حبات أي تطحنها، سمي بذلك لترديد الرحى عليه، والتكرير هو الترديد.