الحديث رقم 88
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء. وأخرج مسلم عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أممت قوماً فأخف بهم الصلاة. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أمَّ قومك. قال: قلت يا رسول الله، إني أجد في نفسي شيئاً. قال: ادنه. فأجلسني بين يديه، ثم وضع كفه في صدري بين ثديي، ثم قال: تحول. فوضعها في ظهري بين كتفي، ثم قال: أمَّ قومك، فمن أمَّ قوماً فليخفف، فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء. وأخرج الشيخان عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت، وعليكم السكينة. قوله: حتى تروني قد خرجت، أي من بيته صلى الله عليه وسلم. قال البغوي: هذا يدل على جواز تقديم الإقامة على خروج الإمام. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا. فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز، فإن من ورائه الضعيف والكبير وذا الحاجة. وفي رواية: فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة. وأخرج الشيخان عن جابر رضي الله عنه أن معاذًا رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. وفي رواية قال: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم أتى قومه فأمهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم، ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أصحابنا واضح، نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال: يا معاذ، أفتان أنت؟ اقرأ والشمس وضحاها، والضحى، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة. وسيأتي طرف من الحديث في باب صلاة التطوع. قال النووي: فيه جواز أن يصلي الفرض خلف النفل وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، ولم يرد عن معاذ أيتهما نواها فريضة، صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم أم صلاته بقومه، وزيادة وهي له نافلة ليست في الصحيحين، وعلى التسليم بصحتها فهي من بعض الرواة، وليست مروية عن معاذ، ولا يعارض هذا قوله: إنما جعل الإمام ليؤتم به، لأن المراد به الأفعال الظاهرة، انتهى ملخصًا. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لا أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه. وفي رواية: كان صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة القصيرة. وفي أخرى قال أنس: ما صليت خلف أحد أوجز صلاة ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاته متقاربة. وأخرج البخاري عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. وأخرج مسلم عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة، فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا فلان، بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟ وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل، وفي رواية أنه رأى رجلاً قد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لاث به الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: آالصبح أربعا؟ آالصبح أربعا؟ ولمسلم قال: أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي والمؤذن يقيم، فقال: أتصلي الصبح أربعا؟ قال النووي: في هذه الأحاديث النهي الصريح عن افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة، سواء كانت راتبة أو غيرها، وهذا مذهب الجمهور. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي حازم أن نفراً جاءوا إلى سهل بن سعد رضي الله عنه قد تماروا في المنبر من أي عود هو، فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود هو ومن عمله، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول يوم جلس عليه، فقلت له: يا أبا عباس فحدثنا، فقال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة. قال أبو حازم إنه لا يسميها يومئذ. انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أكلم الناس عليها. فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعت هذا الموضع، فهي من طرفاء الغابة. ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي. هذه رواية مسلم. وللبخاري أنه سئل: من أي شيء المنبر؟ فقال: من أصل الغابة، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عمل ووضع، فاستقبل القبلة وكبر، وقام الناس خلفه فقرأ وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر ففعل مثل ذلك، فهذا شأنه. قال البخاري: قال علي بن المديني: سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، وقال: إنما أردت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى من الناس، فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث. قال: فقلت إن سفيان بن عيينة كان يُسأل عن هذا كثيرًا فلم تسمعه منه؟ قال: لا. قوله طرفاء الغابة. الطرفاء كالأثل تماما، إلا أنه أصغر، وقيل هما واحد، والغابة موضع من عوالي المدينة جهة الشام، وأصلها كل شجر ملتف.