الحديث رقم 106
نص الحلقة
في باب التطوع أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال صلاة الغداة: حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة، فإني سمعت الليلة خشفًا عليك، وفي لفظ: دفًّا عليك بين يدي في الجنة. قال بلال: ما عملت عملاً في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي. رضي الله عنه. وأخرج مسلم عن معدان بن أبي طلحة قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الجنة، أو قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة. قال معدان: ثم أتيت أبا الدرداء فسألته، فقال مثل ما قال لي ثوبان. وأخرج مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود. قوله: أو غير ذلك بفتح الواو وسكونها، روي. قال النووي رحمه الله: فيه دليل لمن يقول: تكثير السجود أفضل من إطالة القيام. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس. وفي رواية: لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. قال في مرقاة المفاتيح: قال القاضي: اختلفوا في جواز الصلاة في الأوقات الثلاثة: بعد صلاة الصبح إلى الطلوع، وعند استواء الشمس في كبد السماء حتى تزول، وبعد صلاة العصر إلى الغروب. فقال الأكثرون: لا يجوز فيها فعل صلاة لا سبب لها. أما التي لها سبب كقضاء الفائتة، وصلاة الجنازة، والكسوف، فجائزة، لحديث كريب عن أم سلمة الماضي قريبًا: أن أناسًا من عبد القيس شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الركعتين بعد الظهر فقضاهما بعد العصر، واستثنيت مكة واستواء الجمعة، لحديث جبير بن مطعم، وسيأتي في كتاب الحج: يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أيَّة ساعة شاء من ليل أو نهار. ولحديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة. رواه الشافعي والبيهقي، وهو ضعيف، لكن له شواهد يقوى بها. وأخرج مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. قال: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب. قوله: تضيف أي تميل، وقوله: حين يقوم قائم الظهيرة، أي حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولا في المغرب. وظاهر أن حديث عقبة هذا أخص من حديث أبي سعيد السابق، فالنهي في حديث أبي سعيد واسع، من صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس، ومن صلاة العصر حتى تغيب، وفي حديث عقبة حين طلوعها، وحين استوائها، وحين غروبها. فظهر أن هذه الساعات أخص بالنهي وأكد، والله أعلم. وأخرج مسلم عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلِّ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا فاء الفيء فصلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ ما بدا لك. قوله: حتى يستقل الظل بالرمح. كناية عن وقت الظهر. قال النووي: أن يقوم مقابله بجهة الشمال، لا شمالًا إلى المشرق ولا إلى المغرب. وقال ابن الأثير: أي حتى يبلغ ظل الرمح المغروس في الأرض أدنى غاية في القلة والنقص. وهذا الظل المتناهي في القصر هو الذي يسمى ظل الزوال، أي الذي تزول الشمس عنده عن وسط السماء. وحينئذ يدخل وقت الظهر وتجوز الصلاة. وقوله: تُسْجَر جهنم، أي توقد. وأخرج البخاري عن عروة عن عائشة أن أناسًا طافوا بالبيت بعد صلاة الصبح ثم قعدوا إلى المذكى حتى إذا طلعت الشمس قاموا يصلون. فقالت عائشة: قعدوا حتى إذا كانت الساعة التي تُكره فيها الصلاة قاموا يصلون. وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة، فأتيته فوجدته يصلي جالسًا، فوضعت يدي على رأسه، وفي رواية: على رأسي، فقال: ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت: صلاة الرجل قاعدًا على النصف من صلاة القائم. قال: أجل، ولكنني لست كأحد منكم. قوله: على النصف من صلاة القائم، أي من صلى النافلة قاعدًا بلا عذر فله نصف أجر القائم. وقوله: لست كأحد منكم، معناه أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فصلاته تامة الأجر. على أي حال صلاها. وأخرج مسلم عن السائب بن أخت نمر قال: صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك، ألا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج. المقصورة موضع محجور في المسجد. قال النووي: فيه دليل على جواز اتخاذها في المسجد إذا رآها ولي الأمر مصلحة. قالوا: وأول من عملها معاوية بن أبي سفيان حين ضربه الخارجي. قال القاضي: واختلفوا في المقصورة، فأجازها كثير من السلف وكرهها طائفة منهم، وقيل: إنما تصح فيها الجمعة إذا كانت مباحة لكل أحد، فإن كانت مخصوصة ببعض الناس ممنوعة من غيرهم لم تصح فيها الجمعة لخروجها عن حكم الجامع. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن معاذًا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. وقد سبق الحديث بطوله في باب صلاة الجماعة.