الحديث رقم 86
نص الحلقة
في باب الخشوع والعمل في الصلاة، أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن بني عمرو بن عوف بقباء كان بينهم شيء، فخرج يصلح بينهم في أناس من أصحابه، فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت. فأقام بلال الصلاة، وتقدم أبو بكر فكبر للناس. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الصفوف يشقها شقا حتى قام في الصف، فأخذ الناس بالتصفيح. قال سهل: هل تدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق. وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه يأمره أن يصلي، فرفع أبو بكر يده فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، ثم رجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى للناس، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ إنما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله، إلا التفت. ثم التفت إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت لك؟ قال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ثم أتاهم يصلح بينهم، وأن الصلاة التي احتبس عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم فيها أبو بكر هي صلاة العصر، وفيه أنه قال: يا أبا بكر ما منعك إذ أومأت إليك ألا تكون مضيت؟ قال: لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال للقوم: إذا نابكم أمر فليسبح الرجال، وليصفق النساء. قال ابن حجر: فيه جواز الالتفات للحاجة، وجواز شق الصفوف والمشي بين المصلين لقصد الوصول إلى الصف الأول، لكنه مقصور على من يليق ذلك به، كالإمام، أو من قد يحتاج الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سد فرجة في الصف الأول، أو ما يليه، ولا يكون ذلك معدودًا من الأذى. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة وعن سهل بن سعد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: التسبيح للرجال، يعني في الصلاة، والتصفيق للنساء. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره تحت قدمه. وللبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة. فَشَقَّ ذلك عليه حتى رُئي في وجهه، فقام فحكَّه بيده، فقال: إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنما يناجي ربه، فإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قِبَلَ قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه. ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا. قام صلى الله عليه وسلم بنفسه وحك النخامة بيده، ولم يأمر أحدًا بذلك صلى الله عليه وسلم. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس، فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أن يُستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليتفل هكذا. ووصف الراوي فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض. قوله: تنخع، أي رمى بنخامته، وهي النخامة، أي البزقة التي تخرج من أقصى الحلق. وأخرج الشيخان عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في جدار المسجد. فتناول حصاة فحتها، فقال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بصاقًا في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى. وفي رواية: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد فحكها بيده وتغيظ. وأخرج مسلم عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته تنخع فدلكها بنعله اليسرى. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب، فرأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بالعرجون ثم أقبل علينا فقال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ فجشعنا، ثم قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ قلنا: لا أينا يا رسول الله. قال: فإن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا. ثم طوى ثوبه بعضه على بعض، فقال: أروني عبيرًا. فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله. فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ. قال جابر: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ. العرجون هو ساق عذق النخلة دون الشماريخ، وابن طاب نوع من نخل المدينة. وقوله: جشعنا، أي فزعنا، والجشع: الجزع لفراق الألف. وفي حديث معاذ: فبكى معاذ جشعًا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال النووي: رواه الجمهور فخشعنا، ورواه جماعة فجشعنا، وكلاهما صحيح، والعبير والخلوق نوعان من الطيب. وأخرج البخاري عن عمرو بن ميمون أن معاذًا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقرأ معاذ في صلاة الصبح سورة النساء، فلما قال: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، قال رجل خلفه: قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد استشكل تقرير معاذ لهذا القائل في الصلاة، وترك أمره بالإعادة، وأجيب عن ذلك إما بأن الجاهل بالحكم يُعذر، وإما أن يكون أمره بالإعادة ولم يُنقل، أو كان القائل خلفهم ولكن لم يدخل معهم في الصلاة. وأخرج أبو داود والبزار والحاكم والبيهقي في السنن والبغوي بسند حسن عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ. قال في عون المعبود: أقل أحوال هذا الحديث الدلالة على استحباب الصلاة في النعال، ونقل الاستحباب عن الشوكاني. قال: وفي الفتح قال ابن بطال: هو محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة، ثم هي من الرخص كما قال ابن دقيق العيد، لا من المستحبات؛ لأن ذلك وإن كان من ملابس الزينة، يعني لقوله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد، إلا أن ملامسة الأرض التي تكثر فيها النجاسات قد تقصره عن هذه الرتبة، وإذا تعارضت مصلحة التحسين وإزالة النجاسة قُدِّمت الثانية؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.