النبوية | الحلقة (23) | الاعتذار المبكي
نص الحلقة
من جماليات السيرة النبوية: الاعتذار المبكي. لقد كان اعتذارًا مبكيًا وعتابًا أسيفًا بين معلم وطلابه، ومربٍّ ومحبيه، ظنوا ظنًّا لم يكن في محله، واعتقدوا أن أستاذهم تجاهلهم أو نسي دورهم في الإسلام، ولم تذهب نظرتهم كنظرته، وأنه تألف الناس بتلك الأموال الضخمة، ووكلهم إلى إيمانهم واستقامتهم، ولكن المال فتنة، ولذلك خطب عليه الصلاة والسلام خطبته التاريخية في غزوة حنين التي لا يُعرف مثلها جزالةً وصدقًا وتأثيرًا ومعاتبة. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم، وجِدة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فألَّف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمنُّ وأفضل. أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا؟ تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار. وفيها قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً. فقه الأنصار رضي الله عنهم بعد ذلك أن الغنيمة الكبرى والمكسب الأجل هو العود برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتهم، والظفر بمجالسته ورعايته، ومشاهدة بركاته المصاحبة له. ونتعلم هنا تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترافه بفضل الأنصار، ومحاورته لطلابه، وأن منة الله عليهم بالهداية أفضل وأعظم، واعتذاره لهم بما حصل، وأنه ليكسب المؤلفة قلوبهم، وأن الدنيا لعاعة زائفة ستنقضي قريباً، ما ينبغي أن تغر المؤمنين، والله الموفق. من جماليات السيرة النبوية.