النبوية | الحلقة (48) | حديث الوجه
نص الحلقة
من جماليات السيرة النبوية. حديث الوجه. يتهلل وجهه بالحياء والرزانة، والتعبير عما لا يحبه، ولكنه لا يتكلم حياءً، ولا يكثر الزجر، بل يتغير محياه ويضيق شكله، فيعرفون أنه كاره وغاضب. يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه؛ لأنها لم تخالط أحدًا، ولا زالت حييّة لطيفة، قليلة الكلام، ضعيفة المراس، لا تكاد تتصرف أو تتحدث، ولذلك توصف بالوقار والحياء وشدة الخجل. وكذلك صلى الله عليه وسلم كان أشد منها في هجر القبائح، والتباعد عن المناكر وأهلها، وإذا كره شيئًا عبّر بوجهه وسلوكه، فينزجر صحابته ومن حضره منهم. الحياء سلوك أخلاقي عظيم، يبعث على فعل الجميل وترك القبيح، وهو من خصال الإيمان، وإنما شُبِّه صلى الله عليه وسلم بحياء العذراء في الخدر من باب التقريب والتفهيم. يعيش المرء مستحييًا بخير، ويبقى العود ما بقي اللحاء، فلا والله ما في العيش خير، ولا الدنيا إذا ذهب الحياء. وهذا الحياء يزين الشخصية، ويروز السلوك، ويحمل على التقوى وقلة الكلام والتدخلات، وزيادة العفة والانضباط. وكان يقع من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم تنتهك حرمات الله أو يُنل من الشرائع، فإذا انتهكت المحارم استشاط غضبه والتهب تأنيبه، ويفعل ما من شأنه توجيه المؤمنين وحملهم على شريعة الله تعالى. وفي هذا دلالة على فضيلة الحياء، وأنه محمود ميمون ما لم ينتهِ إلى الضعف والخور، وحينها لا يكون حياءً بل ضعفًا وعجزًا، والله الموفق. من جماليات السيرة النبوية.