النبوية | الحلقة (29) | الإشفاق الدعوي
نص الحلقة
من جماليات السيرة النبوية: الإشفاق الدعوي. يعيش حياته مع الناس كالداعية المشفق على هلاكهم، فيوغل في النذارة ويمتطي التحذير، ويخاطبهم بكل حرص واهتمام، كالنذير، أي المجرد عن الثياب. وأصله أن الرجل إذا كان على مكان عالٍ فرأى العدو وقد أقبل، نزع ثوبه وألوح به لينذر قومه، فصار كالنذير العريان، المحذر لهم من العدو والضياع، وهو حال رسول الله وشعوره تجاه قومه. عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، أي اطلبوا النجاة. فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا فانطلقوا على مهلتهم، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق. والواجب وعي خطاب هذا النذير، وفقه حرصه وتحذيره، فقد استعمل أسلوبًا مهيجًا للنفوس، وإنما يفعل ذلك لأنه أبين للناظر، وأغرب وأشنع منظرًا، فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهب للعدو، أو أن الأذى طاله وأخذ العدو ملابسه. والناجي المفلح من سارع في اتباعه وسار من أول الليل مدلجًا، لم يسوف ولم يتأخر، أو تلهه حلاوة الدنيا ولعاعتها، وكأننا وديننا وحسن العمل به في معركة مع الباطل والشهوات، إن امتثلنا نجونا، وإن تأخرنا التهمنا العدو والمصير النار، والله المستعان. من جماليات السيرة النبوية.