النبوية | الحلقة (27) | مكافأة صاحبة المزادة

من جماليات السيرة · المقطع 27 من 50

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

من جماليات السيرة النبوية. مكافأة صاحبة المزادة. جيش مسافرون قد وهنهم التعب، وأضناهم العطش، ولا ماء ولا رخاء، فلقوا امرأة احتاجوا إلى مائها القليل، فاستدعوها، وأخذوا منه حاجتهم، وتكاثر بطريقة معجزة لا يصنعها إلا أنبياء، وبورك فيه، وأعادوه لها كما هو وزيادة، وجمعوا لها أرزاقًا، ثم إنهم حفظوا لها جميلها بترك غزو قومها وقريتها. تقول القصة العجيبة: كنا في سفر، ودعا رسول الله عليه الصلاة والسلام عليًا وآخر، فقال: اذهبا فابتغيا الماء. فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوفًا، أي يبحثون عن الماء. قالا لها: انطلقي إذن. قالت: إلى أين؟ قال: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: الذي يقال له الصابئ. قال: هو الذي تعنين، فانطلقي. فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحدثاه الحديث. قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء، ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزالي، أي مصب المزادتين من تحت، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا. فسقى من شاء، واستقى من شاء، وفيه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لها. فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة، حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها. قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا. فأتت أهلها وقد احتبست عنهم. قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه. وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة، فرفعتهما إلى السماء. تعني السماء والأرض، أو إنه لرسول الله حقا. وهنا رد لها ماءها وكافأها، وأحسن انصرافها. لم تنس المرأة صاحبة الماء ذلك الموقف وما فيه من عجائب، ولاحظت أن غزاة المسلمين لا يتعرضون لقومها بأذى ولا حرب. قيل: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون الصرم الذي هي منه. فقالت يوما لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام. فلا يستقلن بعضنا أثر الإحسان ورد جميل القوم، والذي تجاوز أن تركوا غزو قومها حفظا لذلك المعروف، ففطنت فدعتهم، وكانت سببا في هدايتهم والسلام. من جماليات السيرة النبوية.