النبوية | الحلقة (26) | قديد العظماء

من جماليات السيرة · المقطع 26 من 50

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

من جماليات السيرة النبوية. قديد العظماء. إذا تواضع المرء لله، لانت فعاله، وطابت أخلاقه، وأكل كما يأكل الناس قديدًا وشعيرًا، أو دقلًا وسويقًا، أو برًّا وشحمًا متغيرًا. وذات مرة التقى رجل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وظن أنه كالملوك، حوله الجنود والحشم، والسلاح والملأ، والسطوة والسلطة، فارتعد وخاف، فسكنه في موقف أخلاقي تواضعي مدهش. قال الراوي: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه، فجعل ترعد فرائصه، فقال له: هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد، والقديد هو اللحم المجفف، والفرائص هي اللحمة بين الكتف والصدر، كناية عن الخوف الشديد. ومع ذلك فقد وجد قلبًا حانيًا، وعظيمًا متواضعًا، وسعه بخلقه الكبير، وسماحته الجميلة، ومنطقه الفسيح. هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد. يخفف عليه الموقف ويستلطفه. وَأَنَّنَا مِنْ قَوْمِ الْقَدِيدِ، وَأَصْحَابِ النَّاسِ وَضُعَفَائِهِمْ، وَلَسْنَا مِنَ الْجَبَابِرَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ. مَعَ أَنَّهُ مَهِيبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، شَدِيدٌ عَلَى الْخُصُومِ، يَخْشَاهُ أَعْدَاؤُهُ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: دَمِثُ الْخَلَائِقِ وَهُوَ ذُو الْعَزْمِ الَّذِي مِنْ بَأْسِهِ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُ أُسْدِهِ. وَقَالَ آخَرُ: لَذَاكَ أَهْيَبُ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ، وَقِيلَ إِنَّكَ مَنْسُوبٌ وَمَسْؤُولُ، مِنْ خَادِرٍ مِنْ لُيُوثِ الْأُسْدِ مَسْكَنُهُ، مِنْ بَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ. وَصَدَقَ الْقُرْآنُ: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ. وَزَانَ وَصْفُ أَصْحَابِهِ لَهُ، كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ. وَمَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ وَارْتَدَاهُ حَقًّا، أَوْرَثَهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَزَيَّنَهُ بِأَطْيَبِ لِبَاسٍ وَأَبْهَاهُ. وَالسَّلَامُ. مِنْ جَمَالِيَّاتِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.