النبوية | الحلقة (45) | الطعام المبارك
نص الحلقة
من جماليات السيرة النبوية: الطعام المبارك. يد الله مع الجماعة، وازدانت الجماعة ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضوره ومعجزته، فما نشاهده هنا دليل على نبوته وبرهان على مصداقيته، وإلا كيف لطعام رهط من الناس أن يكفي جيشًا كاملًا يصل عددهم إلى الألف؟ يقول جابر رضي الله عنه: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: أنا نازل. ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب، فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم، أي رملًا سائلًا. فانظر، نزل لمشاركتهم ولم يعتذر، وعمل بنفسه وهو جائع مجهد، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق. فذبحت العناق، وطحنت الشعير. حتى جعلنا اللحم في البرمة، أي القدر، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي، أي الأحجار المنصوبة، قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: كم هو؟ فذكرت له، قال: كثير طيب. قال: قل لها لا تنزعي البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي. فقال: قوموا. فقام المهاجرون والأنصار. طعام مبارك، بورك بحضوره ودعا له جميع الجيش. فلما دخل على امرأته قال: ويحك، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. وكانت زوجته مؤمنة عاقلة، أدركت أن الأمر فيه سر لا يعرفه إلا نبي مرسل، وهم مأمورون بالاتباع. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا. فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم يزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية. قال: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة. وهنا درسٌ آخر في تواضعه وكرمه وتبسطه مع أصحابه، وشعوره بالآخرين من الجياع، عليه الصلاة والسلام، والله الموفق. من جماليات السيرة النبوية.