النبوية | الحلقة (36) | اختبار الرجال
نص الحلقة
من جماليات السيرة النبوية: اختبار الرجال. كل دعوة جديدة تتطلب أنصارًا يقومون بها، وجنودًا ينصبون لها، ويضحون لأجلها، ولا يصح تحسين النية في الجمع والاصطفاف؛ لئلا تُختَرق الدعوة وتُشوَّه معانيها. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يختبر الغرباء من خارج مكة، ولا يُظهر أسماء أتباعه، ويخاطبهم بالحكمة والحيطة الشديدة. يقول عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيًا، جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي. فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يُشرك به شيء. قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد، لم يسمِّ له أحدًا، وأنهم مجموعات متفرقة من أولئك. قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني. ولعله مارس شكلًا من الدعوة، ونشر معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وعظمته. قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: نعم، أنت الذي لقيتني بمكة. فعرفه المختار ولم يتنكر له، وهذا يدل على فطنته الشديدة، وتركيزه الدقيق في كل داخل وخارج، وهذا من نباهة الداعية ووعيه. قال: فقلت بلى، فقلت يا نبي الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة. قال: صل الصبح الحديث. فرحب به صلى الله عليه وسلم واستبشر بقدومه، ثم علمه أحكام الوضوء والصلاة، والله الموفق. من جماليات السيرة النبوية.