النبوية | الحلقة (38) | الغضب الشرعي
نص الحلقة
من جماليات السيرة النبوية: الغضب الشرعي. بدليل الضبط المنهجي والأخلاقي أن يكون غضب الداعي في ذات الله إذا انتهكت المحارم، وليس لمقاصده أو رغباته الشخصية. وهكذا علم صلى الله عليه وسلم صحابته، وقد كان من ألطف الناس، لا يغضب ولا يضرب إلا إذا مُسَّت الشرائع. ولذلك لما سرقت امرأة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه. قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتكلمني في حد من حدود الله؟ الذي هيجه هنا انتهاك الحدود، والشفاعة لامرأة وجيهة عندهم، فلم يحتمل حبه أسامة وابن حبه، فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت. قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. توقع الناس أن قرب أسامة منه سيلينه ويترفق، ونسوا أن تلك الرحمة وذلك الرفق ليس هذا مكانه، ولذلك غضب في وجهه ونهره: أتشفع في حد من حدود الله؟ ومثل بابنته ليبرهن على صدقه، وحذره من التمييز الطبقي، وأنه من أسباب الهلاك. وإنما خص صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته بالذكر لأنها أعز أهله عنده، ولأنه لم يبق من بناته حينئذ غيرها، فأراد المبالغة في إثبات إقامة الحد على كل مكلف وترك المحاباة في ذلك. وأيضًا وافق اسم السارقة اسمها عليها السلام، فناسب أن يضرب المثل بها، وأنه أسرع الناس إلى امتثال الشرع، والله الموفق. من جماليات السيرة النبوية.