النبوية | الحلقة (25) | الصبر على الجاهلين
نص الحلقة
من جماليات السيرة النبوية: الصبر على الجاهلين. حينما يتجاوز صبرك الشمس في سعتها، والهواء في انتشاره، وينهمر على الناس في قطرات باردة، وتصفح صفحًا يمتد في الآفاق وينصب راياته، وتحتمل احتمالًا مزينًا بالورد والأفنان، فإنك حينئذ على خطى الأنبياء تدينًا وعملًا واستقامة. فهكذا كان رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام. قال أنس رضي الله عنه: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء. جهل مع مسألة، وشدة في تطاول، ومع ذلك قابله بقلب واسع، وأخلاق رحيمة، وصبر نادر، وإكرام عجيب. لماذا؟ لأنه داعية، ولسنا دعاة. ومربٍّ ونحن نظلم التربية، وقائدٌ ونحن أدعياء في القيادة، وحكيمٌ ونحن يغلبنا الحماس وتذلنا العاطفة، فكيف السبيل؟ السبيل أن نترجم الإسلام إلى كتب عملية ومحاضرات تطبيقية، فقد مللنا الكلام، وتعب الناس من الأقوال المصبوغة دون فعال مرموقة وشمائل محسوسة. ليكن الدين محسوسًا عندنا، مستطعمًا في الخلق والتعامل والتربية. نرحم الفقراء، ونصبر على الجهلاء، ونحتمل العامة والرعاع. هؤلاء هم عباد الرحمن الحقيقيون. قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. من جماليات السيرة النبوية.