النبوية | الحلقة (50) والأخيرة | الحفز الهممي
نص الحلقة
من جماليات السيرة النبوية: الحفز الهممي. هنا أسلوب تشويقي عجيب، وتشجيع هممي بديع، سلكه صلى الله عليه وسلم ليشحذ هممهم، ويشعل عزماتهم، فينطلقون بلا تردد، ويواجهون بلا تعثر. فالمكسب هنا حب الله ورسوله، فهي علامة إيمان مشرق تدفع النفاق والتهمة. قال سهل بن سعد رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها. نشطهم بهذا الخطاب، وباتوا يتحاورون فيه، وصفات ذلك المحب الصدوق، فمن هو؟ وكيف سينالها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو أن يُعطاها، وإنما رجوها لعظم الوصف فيها، وليس لأنها قيادة رفيعة، أو من خلفها مال وثروات، كلا. فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله. قال: فأرسلوا إليه فأتوني به، فلما جاء بصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. واختار عليا لحسن صفاته، وصدق توجهه، وظهور مناقبه، ولا يكاد يجهلها أحد، فهو الشجاع القائد، والفدائي المشهور. فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم. وعلمه هنا آداب الحرب، وأن لها قواعد وشروطا يفاخر الإسلام بإنتاجها، خلافا لحروب الهمجيين الذين طغوا في البلاد من الشرق والغرب، وأكثروا فيها الفساد تدميرا وتخريبا، واستعملوا فيها كل المحرمات الدولية، والله المستعان. وقبلها علم الصحابة فضل محبة الله ورسوله، ونوه على الصفة الروحية قبل الجسمية، وأن الهمة الملتهبة طريق إليها، واحتشاد الناس بمثل ذلك المقام الرفيع، حتى إن عمر رضي الله عنه قال فيما روي عنه. ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، والسلام. من جماليات السيرة النبوية.