الحديث رقم 259

كتاب الأدب والتربية · المدة 8:59 · المقطع 1 من 60

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

كتاب الآداب والتربية. باب الزهد والرقائق. أخرج مسلم عن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان رضي الله عنه، وكان أميرًا على البصرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذُكر لنا أن الحجر يُلقى من شفير جهنم، فيهوي فيها سبعين عامًا لا يدرك لها قعرًا، ووالله لتملأن، أفعجبتم؟ ولقد ذُكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عامًا، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابعةَ سبعةٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا، والتقطت بردةً فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى تكون عاقبتها مُلكًا، وستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا. قوله أعذنت بصرم، أي أعلمت بانصرامها وانقطاعها. وقوله ولت حذاء، أي مسرعة الانقطاع. والصبابة البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء. وقوله كذيذ، أي ممتلئ مكتظ. وقوله قرحت أشداقنا، أي صار فيها قروح وجراح من خشونة الورق الذي نأكله حرارة. وسعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص. وأخرج مسلم عن المستورد بن شداد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه، وأشار يحيى بالسبابة في اليم، فلينظر بم ترجع. وأخرج مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق داخلاً من بعض العوالي، والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه أنه أسك، فكيف وهو ميت؟ قال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم. العوالي حوائط وقرى من الجهة العليا للمدينة مما يلي نجداً. وقوله كنفتيه أي جانبيه، وفي بعض النسخ كنفته أي جانبه. والجدي ولد الماعز، والأسك صغير الأذنين. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام تباعًا حتى قبض. وفي رواية: والذي نفسه أبي هريرة بيده، ما شبع نبي الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا. وللبخاري أن أبا هريرة مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. وأخرج البخاري عن أبي حازم قال: سألت سهل بن سعد فقلت: هل أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي؟ فقال سهل: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله. فقلت: هل كانت لكم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مناخل؟ قال: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله. قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه فيطير منه ما طار، وما بقي ثريناه فأكلناه. النقي: خبز الدقيق الحوارة، وهو النظيف الأبيض المنخول مرة بعد مرة حتى صار نقيًا. وقوله ثريناه أي بللناه بالماء، وعجناه ثم خبزناه فأكلناه. ومنه الثرى، وهو التراب المبتل بالماء. وأخرج مسلم عن جابر قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قوت كل رجل منا في كل يوم تمرة. وكان يمصها ثم يصرها في ثوبه، وكنا نختبط بقسينا ونأكل حتى قرحت أشداقنا، فأقسموا: أخطئها رجل منا يوماً فانطلقنا به ننعشه، فشهدنا له أنه لم يعطها، فأعطيها فقام فأخذها. قوله نختبط أي نضرب الشجر ليتحات ورقها فنأكله، وقسينا هي أقواسنا، وأخطئها أي لم يعطوه تمرته نسياناً، وقوله ننعشه أي نشد جانبه ونشهد له، أو نقيمه ونرفعه من شدة ضعفه. وأخرج البخاري عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر. وفي رواية عن ابن عمر قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله. قال: وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما. قوموا. فقاموا معه، فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني. فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ كُلُوا، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِيَّاكَ وَالْحُلُوبَ، فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوَوْا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ. الْمُدْيَةُ هِيَ السِّكِّينُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ، وَمَا جَاءَ فِي كَرَاهَةِ الشِّبَعِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَسِّي الْقَلْبَ، وَيُنْسِي أَمْرَ الْمُحْتَاجِينَ. وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: الْمُرَادُ السُّؤَالُ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ شُكْرِهِ، وَالَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ السُّؤَالَ هُنَا سُؤَالُ تَعْدَادِ النِّعَمِ، وَإِعْلَامٌ بِالِامْتِنَانِ بِهَا، وَإِظْهَارُ الْكَرَامَةِ بِإِسْبَاغِهَا، لَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ وَمُحَاسَبَةٍ. وَفِي الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِبَارُ أَصْحَابِهِ مِنَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَبْتَلًى بِهِ مِنَ الْجُوعِ وَضِيقِ الْعَيْشِ أَحْيَانًا، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْفُتُوحِ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَارَةً يُوسِرُ، وَتَارَةً يَنْفَدُ مَا عِنْدَهُ لِإِخْرَاجِهِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ. وهكذا كان خلق أصحابه رضي الله عنهم.